تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
هذا نحا الزمخشريّ - رحمه اللّه - فإنه قال : « إلا البعض الذي رحمه ربّي بالعصمة ؛ كالملائكة » . وفيه نظر ؛ من حيث إيقاع « ما » على من يعقل ، والمشهور خلافه . قال ابن الخطيب « 1 » : « ما » بمعنى « من » أي : إلا من رحم ربي ، و « ما » و « من » كلّ واحد منهما يقوم مقام الآخر ؛ قال تعالى :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
[ النساء : 3 ] ، وقال :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ
[ النور : 45 ] . والثاني : أنّ « ما » في معنى الزمان ؛ فيكون مستثنى من الزمن العامّ المقدر ، والمعنى : إنّ النّفس لأمارة بالسوء في كل وقت وأوان ، إلّا - وقت رحمة - ربّي إيّاها بالعصمة . ونظره أبو البقاء بقوله :
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ
إلا أن يصدقوا [ النساء : 92 ] ، وقد تقدّم [ النساء : 92 ] أنّ الجمهور لا يجيزون أن تكون « أن » واقعة موقع ظرف الزمان . والثالث : أنه مستثنى من مفعول « أمّارة » ، أي : لأمّارة صاحبها بالسّوء إلا الذي رحمه اللّه ، وفيه إيقاع « ما » على العاقل . والرابع : أنه استثناء منقطع ، قال ابن عطيّة : وهو قول الجمهور . وقال الزمخشريّ : ويجوز أن يكون استثناء منقطعا ، أي : ولكن رحمة ربي التي تصرف الإساءة ؛ كقوله :
وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا
[ يس : 43 ، 44 ] .

فصل في أن الإيمان والطاعات لا يحصلان للعبد إلا برحمة اللّه له

هذه الآية تدل على أن الطاعات والإيمان لا يحصلان إلا من اللّه تعالى ؛ لقوله - تعالى - :
إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
فدلّ ذلك على أنّ انصراف النفس من السوء لا يكون إلا برحمة اللّه ، ودلّت الآية على أنّ من حصلت تلك الرحمة له ، حصل ذلك الانصراف ، ولا يمكن تفسير هذه الرحمة بإعطاء العقل ، والقدرة ، والألطاف ، كما قاله القاضي « 2 » - رحمه اللّه - ؛ لأنّ كلّ ذلك مشترك بين الكافر والمؤمن ، فوجب تفسيرها بشيء آخر ، وهو ترجيح داعية الطاعة على داعية المعصية . قوله تعالى :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 54 إلى 55 ]

وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) قوله تعالى :
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
. لما تبيّن للملك عذر يوسف وعرف أمانته وعلمه ، قال :
ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
، أي : أجعله خالصا لنفسي .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 18 / 125 . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 18 / 126 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 133 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب