تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
والثالث : أنّ امرأة العزيز اعترفت في المرة الأولى بطهارته ، حيث قالت :
« وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ »
، وفي المرة الثانية قولها :
( الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ )
، وهذا إشارة إلى أنّه صادق في قوله : « هي راودتني عن نفسي » . والرابع : قول يوسف
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
. قال ابن الخطيب « 1 » : « والحشويّة يذكرون أنّه لما قال هذا الكلام ، قال جبريل - عليه السلام - : ولا حين هممت « 2 » ، وهذا من رواياتهم الخبيثة ، وما صحّت هذه الرواية في كتاب معتمد ، بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعيا منهم في تحريف ظاهر القرآن » . والخامس : قوله
وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ
، يقتضي أن الخائن لا بدّ أن يفتضح ، فلو كان خائنا ، لوجب أن يفتضح ؛ ولما خلصه اللّه من هذه الورطة ، دلّ ذلك على أنه لم يكن من الخائنين . ووجه آخر : وهو أنّ - في هذا الوقت - تلك الواقعة صارت مندرسة ، فإقدامه في قوله
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
، مع أنّه [ خانه ] « 3 » بأعظم وجوه الخيانة وأقدم على فاحشة عظيمة ، وعلى كذب عظيم من غير أن يتعلق به مصلحة بوجه ما ، والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلا ؛ لا يليق بأحد من العقلاء ، فكيف يليق إسناده إلى سيّد العقلاء ، وقدوة الأصفياء « 4 » ، فثبت أنّ هذه الآية تدلّ دلالة قطعيّة على براءته مما يقول الجهّال . قوله تعالى :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
الآية اعلم أنّ تفسير هذه الآية يختلف باختلاف ما قبلها ؛ لأنّه إن قلنا قوله
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
، كلام يوسف ، كان هذا - أيضا - كلام يوسف ، وإن قلنا : إنه من تمام كلام المرأة ، كان هذا - أيضا - كذلك ، وإذا قلنا : إنه من كلام يوسف - عليه الصلاة والسلام ، فقالوا : إنه - صلوات اللّه وسلامه عليه - لما قال :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
، قال جبريل - عليه السلام - ولا حين هممت ، فعند هذا ، قال يوسف - عليه الصلاة والسلام - :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
، أي : بالزّنا ،
إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
أي عصم ،
إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ
للهمّ الذي همّ به ، « رحيم » ، أي لو فعلته ، لتاب عليّ . قال ابن الخطيب « 5 » - رحمه اللّه - : « هذا ضعيف ؛ فإنّا بينا في الآية الأولى برهانا قاطعا على براءته من الذنب » .
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 18 / 124 . ( 2 ) في ب : همت . ( 3 ) في ب : خائن . ( 4 ) في ب : الضعفاء . ( 5 ) ينظر : الفخر الرازي 18 / 125 .