تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 596

مساهمون:

ص٥٩٦
قوله تعالى :
فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ
من الآية . لمّا بيّن أنّ الأمم المتقدمين حلّ بهم عذاب الاستئصال ، بيّن أنّ السبب فيه أمران : الأول : أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض ، فقال :
فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ ،
« لولا » تحضيضية دخلها معنى التّفجّع عليهم ، وهو قريب من مجاز قوله تعالى :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
[ يس : 30 ] ، وما يروى عن الخليل - رحمه اللّه - أنه قال : كل ما كان في القرآن من « لولا » فمعناه « هلّا » إلّا التي في الصافات
« فَلَوْ لا أَنَّهُ » ،
لا يصحّ عنه لورودها كذلك في غير الصافات
لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ
[ القلم : 49 ] ،
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ
[ الإسراء : 74 ] ،
وَلَوْ لا رِجالٌ
[ الفتح : 25 ] . و
« مِنَ الْقُرُونِ »
يجوز أن يتعلّق ب « كان » ؛ لأنّها هنا تامّة ، إذ المعنى : فهلّا وجد من القرون ، أو حدث ، أو نحو ذلك ، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنّه حال من :
« أُولُوا بَقِيَّةٍ »
لأنه لو تأخّر عنه لجاز أن يكون نعتا له ، و
« مِنْ قَبْلِكُمْ »
حال من « القرون » و « ينهون » حال من
« أُولُوا بَقِيَّةٍ »
لتخصّصه بالإضافة ، ويجوز أن يكون نعتا ل
« أُولُوا بَقِيَّةٍ »
وهو أولى . ويضعف أن تكون « كان » هذه ناقصة لبعد المعنى من ذلك ، وعلى تقديره يتعيّن تعلّق
« مِنَ الْقُرُونِ »
بالمحذوف على أنّه حال ؛ لأنّ « كان » النّاقصة لا تعمل عند جمهور النّحاة ، ويكون « ينهون » في محلّ نصب خبرا ل « كان » . وقرأ العامّة « بقيّة » بفتح الباء وتشديد الياء ، وفيها وجهان : أحدهما : أنّها صفة على « فعيلة » للمبالغة ، بمعنى « فاعل » ؛ ولذلك دخلت التّاء فيها ، والمراد بها حينئذ جند الشيء وخياره ، وإنّما قيل لجنده وخياره : « بقيّة » في قولهم : فلان بقية النّاس ، وبقية الكرام ؛ لأنّ الرّجل يستبقي ممّا يخرجه أجوده وأفضله والرجل يبقى بعده ذكر جوده وفضله ؛ وعليه حمل بيت الحماسة : [ البسيط ]
3040 - إن تذنبوا ثمّ تأتيني بقيّتكم * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 1 »
وفي المثل : « في الزّوايا خبايا ، وفي الرّجال بقايا » .
هامش
( 1 ) تقدم .