تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
أقرب بالعلم والسمع « مجيب » دعاء المحتاجين بفضله ، ورحمته . ولمّا قرّر صالح هذه الدلائل
« قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا »
أي : كنّا نرجو أن تكون سيّدا فينا . وقيل : كنّا نرجو أن تعود إلى ديننا ، وذلك أنّه كان رجلا قوي الخاطر وكان من قبيلتهم ، فقوي رجاؤهم في أن ينصر دينهم ، ويقرّر طريقتهم ، فلمّا دعاهم إلى اللّه وترك الأصنام زعموا أنّ رجاءهم انقطع منه فقالوا : . .
« أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا »
من الآلهة ، فتمسّكوا بطريق التقليد . ونظير تعجّبهم هذا ما حكاه اللّه - تعالى - عن كفّار مكّة في قولهم :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ .
قوله :
« وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ »
مما تدعونا إليه مريب هذا هو الأصل ، ويجوز « وإنا » بنون واحدة مشدّدة كما في السورة الأخرى [ إبراهيم : 9 ] . وينبغي أن يكون المحذوف النّون الثّانية من « إنّ » ؛ لأنّه قد عهد حذفها دون اجتماعها مع « نا » ، فحذفها مع « نا » أولى ، وأيضا فإنّ حذف بعض الأسماء ليس بسهل وقال الفرّاء : « من قال « إنّنا » أخرج الحرف على أصله ؛ لأنّ كتابة المتكلمين « نا » فاجتمع ثلاث نونات ، ومن قال : « إنا » استثقل اجتماعها ؛ فأسقط الثالثة ، وأبقى الأوليين » انتهى . وقد تقدّم الكلام في ذلك . قوله : « مريب » اسم فاعل من « أراب » يجوز أن يكون متعدّيا من « أرابه » ، أي : أوقعه في الرّيبة ، أو قاصرا م ن « أراب الرجل » أي : صار ذا ريبة . ووصف الشّكّ بكونه مريبا بالمعنيين المتقدمين مجازا . والشّك : أن يبقى الإنسان متوقفا بين النّفي والإثبات ، والمريب : هو الذي يظن به السوء والمعنى : أنّه لم يترجّح في اعتقادهم فساد قوله وهذا مبالغة في تزييف كلامه . قوله :
أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ
تقدّم نظيره [ يونس : 50 ] ، والمفعول الثّاني هنا محذوفق تقديره : أأعصيه ويدل عليه
« إِنْ عَصَيْتُهُ » .
وقال ابن عطيّة : هي من رؤية القلب ، والشّرط الذي بعده وجوابه يسدّ مسدّ مفعولين ل « أرأيتم » . قال أبو حيّان « 1 » : « والذي تقرّر أنّ « أرأيت » ضمّن معنى « أخبرني » ، وعلى تقدير أن لا يضمّن ، فجملة الشّرط والجواب لا تسدّ مسدّ مفعولي « علمت » وأخواتها » . قوله :
« إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي »
ورد بحرف الشّك ، وكان على يقين تام في أمره إلّا أنّ خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول ؛ فكأنه قال : قدّروا أنّي على بيّنة من ربّي وأنّي نبيّ على الحقيقة ، وانظروا إن تابعتكم ، وعصيت أمر ربّي ، فمن يمنعني من عذاب اللّه فما تزيدونني على هذا التقدير غير تخسير . قوله :
« غَيْرَ تَخْسِيرٍ »
الظاهر أنّ « غير » مفعول ثان ل « تزيدونني » . قال أبو البقاء « 2 » : الأقوى هنا أن تكون « غير » استثناء في المعنى ، وهي مفعول ثان
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 240 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 2 / 41 .