تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وقيل : إنّ المشركين قالوا لليهود : نحن سقاة الحجيج ، وعمار المسجد الحرام ، فنحن أفضل أم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ؟ فقالت اليهود لهم : أنتم أفضل . قال ابن الخطيب « 1 » : « هذه المفاضلة تحتمل أن تكون جرت بين المسلمين ، ويحتمل أن تكون جرت بين المسلمين والكفار ، أمّا كونها جرت بين المسلمين ، فلقوله تعالى بعد ذلك
أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ،
وهذا يقتضي أن يكون للمرجوح درجة أيضا عند اللّه ، وذلك لا يليق إلّا بالمؤمنين ، وأمّا احتمال كونها جرت بين المؤمنين والكفار ، فلقوله تعالى
كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
وهذا يدل على أنّ هذه المفاضلة وقعت بين من لم يؤمن باللّه وبين من آمن باللّه » . وهذا هو الأقرب ؛ لأن المفسرين نقلوا في تفسير قوله تعالى :
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
أنّ العباس احتجّ على فضائل نفسه ، بأنّه عمر المسجد الحرام ، وسقي الحاج ، فأجاب اللّه عنه بوجهين : الأول : ما تقدّم في الآية الأولى : أنّ عمارة المسجد الحرام توجب الفضيلة إذا كانت صادرة عن المؤمن ، أمّا إذا صدرت عن الكافر ، فلا فائدة فيها البتة . والثاني : هذه الآية ، وهو أن يقال : سلّمنا أنّ عمارة المسجد الحرام ، وسقي الحاج ، يوجب نوعا من الفضيلة ، إلّا أنها بالنسبة إلى الإيمان والجهاد كمقابلة الشيء الشّريف الرفيع جدّا بالشّيء الحقير التافة جدّا ، وإنّه باطل ، وبهذا الطريق حصل النظم الصحيح لهذه الآية بما قبلها . فصل روى عكرمة عن ابن عبّاس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء إلى السّقاية فاستسقى ، فقال العبّاس : يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشراب من عندها ، فقال : اسقني . فقال يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّهم يجعلون أيديهم فيه ، قال : اسقني ، فشرب منه ، ثم أتى زمزم وهم يستقون ويعملون فيها ، فقال : اعملوا فإنّكم على عمل صالح ، ثم قال : لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذا ، يعني : عاتقه « 2 » وأشار إلى عاتقه . وعن بكر بن عبد اللّه المزنيّ : قال : كنت جالسا مع ابن عبّاس عند الكعبة فأتاه أعرابيّ فقال : ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ ؟ أمن حاجة بكم ؟ أمن بخل ؟ فقال ابن عبّاس : الحمد للّه ما بنا من حاجة ولا بخل ، إنّما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على راحلته ، وخلفه أسامة ، فاستسقى ، فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب ، وسقى فضله
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 16 / 10 . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3 / 574 ) كتاب الحج : باب سقاية الحاج حديث ( 1634 ) والبيهقي ( 5 / 147 ) من طريق عكرمة عن ابن عباس .