تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١

فصل [ في الاحتجاج بأن اللّه قد يخلق في المكلف ما يمنعه من الإيمان ]

احتجّوا بهذه الآية على أنه سبحانه وتعالى قد يخلق في المكلف ما يمنعه من الإيمان . روي عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - أنّه قال : إنّه تعالى منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وفي الآخرة . أمّا في الدنيا ففي قوله
كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ .
وأمّا في الآخرة ففي « 1 » قوله - عز وجل -
وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ
[ القلم : 42 ] . ثم قال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
أي : أنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة اللّه ، فكان هذا الخسران أعظم وجوه الخسران .
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
يزعمون من شفاعة الملائكة والأصنام . قوله :
« لا جَرَمَ »
في هذه اللفظة خلاف بين النحويين ، ويتلخص ذلك في خمسة أوجه : أحدها - وهو مذهب الخليل وسيبويه وجماهير النّاس - أنّهما ركّبتا من « لا » النّافية و « جرم » وبنيتا على تركيبها تركيب خمسة عشر ، وصار معناهما معنى فعل وهو « حقّ » فعلى هذا يرتفع ما بعدهما بالفاعليّة ، فقوله - تعالى - :
لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ
[ النحل : 62 ] أي : حق وثبت كون النّار لهم ، أو استقرارها لهم . الوجه الثاني : أنّ
« لا جَرَمَ »
بمنزلة « لا رجل » في كون « لا » نافية للجنس ، و « جرم » اسمها مبنيّ معها على الفتح ، وهي واسمها في محلّ رفع بالابتداء ، وما بعدها خبر « لا » النافية ، وصار معناها : لا محالة ولا بدّ ، قاله الفرّاء . الثالث : - كالذي قبله - إلّا أنّ « أنّ » وما بعدها في محلّ نصب ، أو جرّ بعد حذف الجار ، إذ التقدير : لا محالة أنّهم في الآخرة ، أي : في خسرانهم . الرابع : أنّ « لا » نافية لكلام متقدم تكلّم به الكفرة ، فردّ اللّه ذلك عليهم بقوله : « لا » كما تردّ « لا » هذه قبل القسم في قوله - عزّ وجلّ -
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ
[ البلد : 1 ] وقوله تعالى :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ
[ النساء : 65 ] وقد تقدّم تحقيقه ، ثم أتى بعدها بجملة فعلية ، وهي « جرم أنّ لهم كذا » ، و « جرم » فعل ماض معناه « كسب » ، وفاعله مستتر يعود على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام ، و « أنّ » وما في حيّزها في موضع المفعول به ، لأنّ « جرم » يتعدّى إذ هو بمعنى « كسب » ؛ قال الشاعر : [ الوافر ]
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 24 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 589 ) وزاد نسبته إلى أبي الشيخ وذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 378 ) .