تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
وقد تقدّم تحريره في موضعه ، وعلى الصحيح تكون هذه جملة نهي معطوفة على جملة أمر . قال الزجاج :
« وَلا تَتَّبِعانِّ »
: موضعه جزم ، تقديره : ولا تتّبعا ، إلّا أنّ النّون الشديدة ، دخلت على النهي مؤكدة وكسرت لسكونها ، وسكون النون التي قبلها ، فاختير لها الكسرة ؛ لأنها بعد الألف تشبه نون التثنية . وأمّا قراءة حفص ، ف « لا » : تحتمل أن تكون للنّفي ، وأن تكون للنّهي . فإن كانت للنفي ، كانت النون نون رفع ، والجملة حينئذ فيها أوجه : أحدها : أنّها في موضع الحال ، أي : فاستقيما غير متّبعين ، إلّا أنّ هذا معترض بما قدّمته من أنّ المضارع المنفيّ ب « لا » كالمثبت في كونه لا تباشره واو الحال ، إلّا أن يقدّر قبله مبتدأ ، فتكون الجملة اسميّة أي : وأنتما لا تتّبعان . والثاني : أنّه نفي في معنى النّهي ؛ كقوله - تعالى - :
لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
[ البقرة : 83 ] . الثالث : أنّه خبر محض مستأنف لا تعلّق له بما قبله ، والمعنى : أنّهما أخبرا بأنّهما لا يتّبعان سبيل الذين لا يعلمون . وإن كانت للنّهي ، كانت النون للتوكيد ، وهي الخفيفة ، وهذا لا يراه سيبويه ، والكسائي ، أعني : وقوع النون الخفيفة بعد الألف ، سواء كانت الألف ألف تثنية ، أو ألف فصل بين نون الإناث ، ونون التوكيد ، نحو : « هل تضربنان يا نسوة » وقد أجاز يونس ، والفرّاء : وقوع الخفيفة بعد الألف وعلى قولهما تتخرّج القراءة ، وقيل : أصلها التشديد ، وإنّما خففت للثقل فيها ؛ كقولهم : « رب » في « ربّ » . وأمّا تشديد التاء وتخفيفها ، فلغتان : من اتّبع يتّبع ، وتبع يتبع ، وقد تقدّم [ الأعراف : 175 ] هل هما بمعنى واحد ، أو مختلفان في المعنى ؟ وملخصه : أنّ تبعه بشيء : خلفه ، واتّبعه كذلك ، إلّا أنه حاذاه في المشي واقتدى به ، وأتبعه : لحقه .

فصل [ في معنى الآية : وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ

] المعنى : لا تسلك طريق الجاهلين الذين يظنّون أنه : متى كان الدعاء مجابا ، كان المقصود حاصلا في الحال ، فربما أجاب اللّه تعالى الإنسان في مطلوبه ، إلّا أنّه يوصله إليه في وقته المقدّر ؛ فإنّ وعد اللّه لا خلف له ، والاستعجال لا يصدر إلا من الجهّال ؛ كما قال لنوح - عليه الصلاة والسّلام -
إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ هود : 46 ] ، وهذا النّهي لا يدلّ على صدور ذلك من موسى - عليه الصلاة والسّلام - كما أن قوله :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر : 65 ] لا يدل على صدور الشرك منه . قوله تعالى :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 90 إلى 92 ]

وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 91 ) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ( 92 )