تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
وإنما وقع العدول عنها بأمر اللّه - تعالى - في أيّام الرسول - عليه الصلاة والسّلام - بعد الهجرة « 1 » . وقال آخرون : كانت القبلة : بيت المقدس .

فصل [ في أقوال المفسرين في الواقعة المذكورة في الآية ]

ذكر المفسّرون في كيفية هذه الواقعة وجوها : أحدها : أن موسى ومن معه كانوا مأمورين في أول أمرهم : بأن يصلّوا في بيوتهم خفية من الكفّار ؛ لئلا يظهروا عليهم ، فيؤذوهم ، ويفتنوهم عن دينهم ، كما كان المؤمنون في أول الإسلام بمكة . قال مجاهد : خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلّوا في الكنائس الجامعة ، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد جهة الكعبة ، يصلّون فيها سرّا « 2 » . وثانيها : أنّه لمّا أرسل موسى إلى فرعون ، أمر فرعون بتخريب مساجد بني إسرائيل ، ومنعهم من الصلاة ، فأمرهم اللّه - تعالى - باتّخاذ المساجد في بيوتهم ، رواه عكرمة ، عن ابن عبّاس « 3 » . وهو قول إبراهيم . وثالثها : أنّه تعالى لمّا أرسل موسى إليهم ، وأظهر فرعون لهم العداوة الشديدة ، أمر اللّه - تعالى - موسى ، وهارون ، وقومهما باتّخاذ المساجد على رغم الأعداء ، وتكفّل اللّه بصونهم عن شرّ الأعداء . قوله تعالى :
وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً
الآية . لمّا بالغ موسى في إظهار المعجزات ، ورأى القوم مصرّين على الجحود والعناد ؛ دعا عليهم ، ومن حقّ من يدعو على الغير أن يذكر سبب جرمه ، وجرمهم : كان حبّ الدنيا ؛ فلأجله تركوا الدّين ؛ فلهذا قال - عليه الصلاة والسّلام - :
« رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
والزينة : عبارة عن الصحّة ، والجمال ، واللباس ، والدوابّ ، وأثاث البيت ، والمال ما يزيد على هذه الأشياء من الصّامت ، والنّاطق ، وقرأ الفضل الرّقاشي « 4 » « أئنّك آتيت » . قوله : « ليضلّوا » في هذه اللّام ثلاثة أوجه : أحدها : أنّها لام العلّة ، والمعنى : أنّك آتيتهم ما آتيتهم على سبيل الاستدراج ، فكان الإيتاء لهذه العلة .
هامش
( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 17 / 118 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 597 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 566 ) وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ . ( 3 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 2 / 365 ) . ( 4 ) ينظر : الكشاف 2 / 366 ، البحر المحيط 5 / 185 ، الدر المصون 4 / 65 .