تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
والثاني : أنّه مبتدأ ، قال الزمخشري « 1 » : والوجه النّصب على نفي الجنس ، والرّفع على الابتداء ليكون كلاما برأسه ، وفي العطف على محلّ
« مِثْقالِ ذَرَّةٍ » ،
أو على لفظ
« مِثْقالِ ذَرَّةٍ »
فتحا في موضع الجرّ ؛ لامتناع الصّرف إشكال ؛ لأنّ قولك : « لا يعزب عنه شيء إلّا في كتاب » مشكل ؛ لأنّه يلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجا عن علم اللّه ، ويصير التقدير : إلا في كتاب مبين فيعزب ، وهو باطل ، وهذان الوجهان اختيار الزّجّاج . وقد يزول هذا الإشكال بما ذكره أبو البقاء : وهو أن يكون
« إِلَّا فِي كِتابٍ »
استثناء منقطعا ، قال : « إلّا في كتاب ؛ أي : إلّا هو في كتاب ، والاستثناء منقطع » . قال ابن الخطيب « 2 » : « أجاب بعض المحقّقين من وجهين : أحدهما : أن الاستثناء منقطع . والاخر : أن العزوب عبارة عن مطلق البعد ، والمخلوقات قسمان : أحدهما : قسم أوجده اللّه ابتداء من غير واسطة ، كالملائكة ، والسماوات ، والأرض . وقسم أوجده بواسطة القسم الأوّل ، مثل الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد ، وهذا قد يتباعد في سلسلة العلّية والمعلوليّة عن مرتبة وجود واجب الوجود ، فالمعنى : لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرّة في الأرض ، ولا في السماء ، إلا وهو في كتاب مبين ، كتبه اللّه ، وأثبت فيه صور تلك المعلومات » . قال شهاب الدين : « فقد آل الأمر إلى أنّه جعله استثناء مفرّغا ، وهو حال من « أصغر » و « أكبر » ، وهو في قوّة الاستثناء المتّصل ، ولا يقال في هذا : إنّه متّصل ولا منقطع إذ المفرّغ لا يقال فيه ذلك . وقال الجرجانيّ : « إلّا » بمعنى : « الواو » ، والتقدير : « وما يعزب عن ربّك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السّماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر » وههنا تمّ الكلام وانقطع ، ثم ابتدأ بقوله :
« إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ »
أي : وهو في كتاب مبين ، والعرب تضع « إلّا » موضع واو النّسق ؛ كقوله :
إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
[ النساء : 148 ]
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
[ البقرة : 150 ] . وهذا الذي قاله الجرجانيّ ضعيف جدا ، وقد تقدّم الكلام في هذه المسألة في البقرة ، وأنّه شيء قال به الأخفش ، ولم يثبت ذلك بدليل صحيح . وقال أبو شامة : ويزيل الإشكال أن تقدّر قبل قوله :
« إِلَّا فِي كِتابٍ »
« ليس شيء من ذلك إلّا في كتاب » وكذا تقدر في آية الأنعام [ الأنعام 59 ] . ولم يقرأ في سبأ إلا بالرفع ، وهو يقوي قول من يقول : إنّه معطوف على « مثقال » ،
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 355 . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 17 / 100 .