تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
النّقيضين يمتنع أن يكونا حقّين ، وأن يكونا باطلين ، فإذا كان أحدهما حقّا ، وجب كون ما سواه باطلا ، ثم قال
« فَأَنَّى تُصْرَفُونَ »
أي : كيف تعدلون عن عبادته ، وأنتم مقرّون بذلك . قال الجبّائي : دلّت هذه الآية على بطلان قول المجبّرة : أنّه - تعالى - يصرف الكفّار عن الإيمان ؛ لأنّه لو كان كذلك ، لما جاز أن يقول
« فَأَنَّى تُصْرَفُونَ »
كما لا يقول إذا عمي أحدهم إني عميت ، وسيأتي جوابه .

فصل [ في معنى الآية : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ . . .

] المعنى : أنّ الذي يفعل هذه الأشياء ، هو ربّكم الحقّ ، لا ما أشركتم معه . قال بعض المتقدّمين : ظاهر هذه الآية ، يدلّ على أنّ ما بعد اللّه ، هو الضلال ؛ لأنّ أوّلها
« فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ » ،
وآخرها
« فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ »
فهذا في الإيمان ، والكفر ليس في الأعمال ، وقال بعضهم : إنّ الكفر تغطية الحقّ ، وكل ما كان غير الحقّ ، جرى هذا المجرى ، فالحرام ضلال ، والمباح هدى ، فإن اللّه هو المبيح ، والمحرّم .

فصل [ في أن اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال ]

قال القرطبي : « روي عن مالك ، في قوله تعالى :
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
قال : اللّعب بالشطرنج والنّرد من الضلال ، وسئل مالك : عن الرّجل يلعب في بيته ، مع امرأته بأربع عشرة ، فقال : ما يعجبني ، ليس من شأن المؤمن ، قال - تعالى - :
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ،
وسئل مالك : عن اللّعب بالشطرنج ، فقال : لا خير فيه وهو من الباطل ، واللّعب كلّه من الباطل » . وقال الشّافعيّ : « لاعب الشطرنج ، وغيره - إذا لم يكن على وجه القمار - لا تردّ شهادته إذا كان عدلا ، ولم تظهر منه ريبة ، ولا كبيرة ، فإن لعب بها قمارا ، وكان معروفا بذلك ، سقطت عدالته ، لأكله المال بالباطل » . وقال أبو حنيفة : « يكره اللعب بالشطرنج ، والنّرد ، والأربعة عشر ، وكل اللّهو فإن لم تظهر من اللّاعب بها كبيرة ، وكانت مساوئه قليلة ، قبلت شهادته » . قال ابن العربي : « قال الشّافعية : إنّ الشطرنج يخالف النّرد ، لأنّ فيه إكدار الفكر ، واستعمال القريحة ، وأمّا النّرد : فلا يعلم ما يخرج له ، فهو كالاستقسام بالأزلام » . وأنّ النّرد هو الذي يعرف بالباطل ، ويعرف في الجاهليّة بالأزلام ، ويعرف أيضا بالنّردشير ، وروي أنّ ابن عمر ، مرّ بغلمان يلعبون بالكجّة ، وهي حفر فيها حصى ، يلعبون بها ، فسدّها ابن عمر ، ونهاهم عنها « 1 » . ذكر الهروي في باب الكاف مع الجيم ، في حديث ابن عبّاس : في كل شيء قمار ،
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 8 / 217 ) .