تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
فالجواب : أن قوله :
« أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً »
معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجّبون منها ، وعيّبوه ونصّبوه للاستهزاء والتعجّب إليه وليس في قوله : « أكان عند النّاس عجبا » هذا المعنى . وقوله :
أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ
يعني : محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم . قوله :
أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ
يجوز أن تكون المصدريّة ، وأن تكون التفسيريّة ، ثم لك في المصدريّة اعتباران : أحدهما : أن تجعلها المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الأمر والشّأن محذوف . كذا قال أبو حيّان « 1 » ، وفيه نظر من حيث إنّ أخبار هذه الحروف لا تكون جملة طلبيّة ، حتى لو ورد ما يوهم ذلك يؤوّل على إضمار القول ؛ كقول الشاعر : [ البسيط ]
2865 - ولو أصابت لقالت وهي صادقة * إنّ الرّياضة لا تنصبك للشّيب « 2 »
وقول الآخر : [ البسيط ]
2866 - إنّ الذين قتلتم أمس سيّدهم * لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما « 3 »
وأيضا فإنّ الخبر في هذا الباب إذا وقع جملة فعلية ، فلا بد من الفصل بأشياء تقدّمت في المائدة . ولكن ذلك الفاصل هنا متعذّر . والثاني : أنّها التي بصدد أن تنصب الفعل المضارع ، وهي توصل بالفعل المتصرّف مطلقا ، نحو : « كتبت إليه بأن قم » . وقد تقدم البحث فيه [ النساء 66 ] ، ولم يذكر المنذر به وذكر المبشّر به ؛ لأنّ المقام يقتضي ذلك ، وقدّم الإنذار على التّبشير ، لأنّ إزالة ما لا ينبغي مقدّم في الرتبة على ما لا ينبغي ، والإنذار للكفّار والفساق ليرتدعوا عن فعل ما لا ينبغي ، والتّبشير لأهل الطّاعة ؛ لتقوى رغبتهم فيها . قوله :
أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ
« أنّ » وما في حيّزها هي المبشّر بها ، أي : بشّرهم باستقرار قدم صدق ، فحذفت الباء ، فجرى في محلّها المذهبان ، والمراد ب
« قَدَمَ صِدْقٍ »
: السابقة والفضل والمنزلة الرّفيعة ، وإليه ذهب الزجاج والزمخشريّ ؛ ومنه قول ذي الرّمّة : [ الطويل ]
2867 - لكم قدم لا ينكر النّاس أنّها * مع الحسب العاديّ طمّت على البحر « 4 »
هامش
( 1 ) ينظر : البحر المحيط 5 / 126 - 127 . ( 2 ) البيت للجميح الأسدي ينظر : المفضليات 34 والخزانة 4 / 295 والأمالي الشجرية 1 / 332 وشرح الرضي 2 / 348 والدر المصون 4 / 4 . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) ينظر البيت في ديوانه 361 والبحر المحيط 5 / 127 والقرطبي 8 / 195 وروح المعاني 11 / 63 ولباب التأويل 2 / 384 وزاد المسير 4 / 6 والدر المصون 4 / 4 .