تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
قوله تعالى :
التَّائِبُونَ
الآية . لمّا بينّ أنّه اشترى من المؤمنين أنفسهم ، بيّن ههنا أنّ أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات . وقال جماعة : الآية الأولى مستقلة بنفسها ، يقع تحت تلك المبايعة كل موحّد قاتل في سبيل اللّه لتكون كلمة اللّه هي العليا وإن لم يتصف بهذه الصفات في هذه الآية . قوله : « التّائبون » فيه خمسة أوجه : أحدها : أنّه مبتدأ ، وخبره « العابدون » وما بعده أوصاف ، أو أخبار متعددة عند من يرى ذلك . الثاني : أنّ الخبر قوله « الآمرون » . الثالث : أنّ الخبر محذوف ، أي : التّائبون الموصوفون بهذه الأوصاف من أهل الجنة ، أي من لم يجاهد غير معاند ، ولا قاصد لترك الجهاد فله الجنّة ، قال الزجاج : وهو حسن ، كأنه وعد الجنّة لجميع المؤمنين ، كقوله :
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
[ النساء : 95 ] ويؤيده قوله :
« وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ » ،
وهذا عند من يرى أنّ هذه الآية منقطعة ممّا قبلها وليست شرطا في المجاهدة . وأمّا من زعم أنّها شرط في المجاهدة ، كالضّحاك وغيره فيكون إعراب التّائبين خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم التائبون ، وهذا من باب قطع النّعوت ، وذلك أنّ هذه الأوصاف عند هؤلاء القائلين من صفات المؤمنين في قوله تعالى :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
ويؤيّد ذلك قراءة أبيّ ، وابن مسعود ، والأعمش « التّائبين » بالياء ، ويجوز أن تكون هذه القراءة على القطع أيضا ؛ فيكون منصوبا بفعل مقدر ، وقد صرّح الزمخشري ، وابن عطية بأنّ التائبين في هذه القراءة نعت للمؤمنين . الخامس : أنّ « التّائبون » بدل من الضمير المتصل في « يقاتلون » . ولم يذكر لهذه الأوصاف متعلقا فلم يقل : التّائبون من كذا للّه ، ولا العابدون للّه لفهم ذلك ، إلّا صفتي الأمر والنّهي ، مبالغة في ذلك . ولم يأت بعاطف بين هذه الأوصاف ، لمناسبتها لبعضها ، إلّا في صفتي الأمر والنّهي ، لتباين ما بينهما ، فإنّ الأمر طلب فعل ، والنّهي طلب ترك ، أو كفّ . وكذا « الحافظون » عطفه وذكر متعلقه وأتى بترتيب هذه الصفات في الذّكر على أحسن نظم ، وهو ظاهر بالتأمل ، فإنّه قدّم التوبة أولا ، ثم ثنّى بالعبادة إلى آخرها . وقيل : إنّما دخلت الواو ؛ لأنها « واو » الثمانية ، كقولهم :
وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
[ الكهف : 22 ] وقوله :
وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
[ الزمر : 73 ] لمّا كان للجنّة ثمانية أبواب أتى معها بالواو . قال بعض النّحويين : هي لغة فصيحة لبعض العرب ، يقولون إذا عدّوا : واحد ، اثنان ، ثلاثة ، أربعة خمسة ، ستة ، سبعة ، وثمانية ، تسعة ، عشرة . قال القرطبيّ : « وهي لغة قريش » وقال أبو البقاء : « إنّما دخلت « الواو » في الصفة الثامنة ، إيذانا بأنّ