تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
وإذا حملناه على هذا الوجه ، لم يبق للمعتزلة تمسّك بهذه الآية . ومما يقوّي ما ذكرناه : ما روي عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - ؛ قيل له بعد ذهاب بصره : ما تقول فيمن يقول : لا قدر ؟ فقال : إن كان في البيت منهم أحد أتيت عليه ، ويله أما يقول اللّه :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
[ القمر : 49 ] ،
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ
[ يس : 12 ] . وقال ابن عباس : « أول ما خلق اللّه القلم ، فقال له : اكتب ، فجرى القلم فكتب بما يكون إلى قيام السّاعة » وقال - صلوات اللّه وسلامه عليه - : « المكذّبون بالقدر مجوس هذه الأمّة » « 1 » . قوله :
« وَلا آباؤُنا »
عطف على الضّمير المرفوع المتّصل ، وزعم سيبويه : أن عطف الظّاهر على المضمر المرفوع في الفعل قبيح ، فلا يجوز أن يقال : « قمت وزيد » ؛ لأن المعطوف عليه أصل والعطف فرع المضمر ، والمظهر قويّ فجعله فرعا للضّعيف لا يجوز ، وإذا عرف هذا فنقول : إن جاء الكلام في جانب الإثبات ؛ وجب تأكيد المضمر فتقول : « أنا وزيد » ، وإن جاء في جانب النّفي قلت : « ما قمت ولا زيد » ، وإذا ثبت هذا ؛ فنقول : قوله :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا
فعطف قوله :
« وَلا آباؤُنا »
على فاعل الضّمير في قوله :
« ما أَشْرَكْنا »
، ولم يأت هنا بتأكيد بضمير رفع منفصل ، ولا فاصل بين المتعاطفين اكتفاء بوجود « لا » الزّائدة للتّأكيد فاصلة بين حرف العطف والمعطوف ، وهذا هو على قواعد البصريّين ، وأمّا الكوفيّون فلا يشترطون شيئا من ذلك ، وقد تقدّم إتقان هذه المسألة . وفي هذه الآية لم يؤكّد الضمير ، وفي آية النّحل أكّد ؛ فقال تعالى :
ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا
[ النحل : 35 ] . وهناك أيضا قال :
« مِنْ دُونِهِ »
مرّتين ، وهنا قالها مرة واحدة ، فقال أبو حيّان : « لأن لفظ « العبادة » يصحّ أن ينسب إلى إفراد اللّه بها ، وهذا ليس بمستنكر ، بل المستنكر عبادة غير اللّه ، أو شيء مع اللّه ، فناسب هنا ذكر « من دونه » مع العبادة ، وأمّا لفظ
« ما أَشْرَكْنا »
، فالإشراك يدلّ على إثبات شريك ، فلا يتركّب مع هذا الفعل لفظ
« مِنْ دُونِهِ »
لو كان التّركيب في غير القرآن : « ما أشركنا من دونه » [ لم يصحّ المعنى . وأمّا
« مِنْ دُونِهِ »
الثّانية ، فالإشراك يدلّ على تحريم أشياء وتحليل أشياء ، فلم يحتج
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 4 / 222 كتاب السنة : باب في القدر ( 4691 ) وابن ماجة 1 / 35 المقدمة باب في القدر والحاكم في المستدرك 1 / 85 وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صحّ سماع أبي حازم من ابن عمر ، وأقره الذهبي ، وأحمد في المسند 2 / 86 - 125 ، وقد ذكره ابن حبان في المجروحين ضمن ترجمة زكريا بن منظور مستشهدا به على أنه « منكر الحديث جدا يروي عن أبي حازم ما لا أصل له من حديثه » المجروحين لابن حبان 1 / 310 .