وجعلته مشكلا ، وأصله من التّستّر بالثوب ، ومنه لبس الثوب ؛ لأنه يفيد ستر النفس ، والمعنى : إذا جعلنا الملك في صورة البشر ، فهم يظنون أن ذلك الملك بشرا ، فيعود سؤالهم أنّا لا نرضى برسالة هذا الشّخص ، واللّه أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 10 ]
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 )
قرأ حمزة « 1 » ، وعاصم ، وأبو عمرو بكسر الدّال على أصل التقاء السّاكنين ، والباقون « 2 » بالضم على الاتباع ، ولم يبال بالساكن ؛ لأنه حاجز غير حصين وقد تقرّرت هذه القاعدة بدلائلها في سورة « البقرة » عند قوله تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ
[ الآية 173 ] و « برسل » متعلّق ب « استهزىء » و « من قبلك » صفة ل « رسل » ، وتأويله ما تقدّم في وقوع « من قبل » صلة « 3 » .
والمراد من الآية : التّسلية لقلب الرسول صلى اللّه عليه وسلم أي : أن هذه الأنواع الكثيرة التي يعاملونك بها كانت موجودة في سائر القرون .
قوله :
« فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا »
، فاعل « حاق » : « ما كانوا » ، و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية ، والعائد « الهاء » في « به » ، و « به » يتعلّق ب « يستهزئون » ، و « يستهزئون » خبر ل « كان » ، و « منهم » متعلّق ب « سخروا » على أنّ الضمير يعود على الرّسل ، قال تبارك وتعالى :
إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ
[ هود : 38 ] .
ويجوز أن يتعدّى بالباء نحو : سخرت به ، ويجوز أن يتعلّق « منهم » بمحذوف على أنّه حال من فاعل « سخروا » والضمير في « منهم » يعود على الساخرين .
وقال أبو البقاء « 4 » : « على المستهزئين » .
وقال الحوفي « 5 » : « على أمم الرسل » .
وقد ردّ أبو حيّان على الحوفي بأنه يلزم إعادته على غير مذكور .
وجوابه أنه في قوة المذكور ، وردّ على أبي البقاء بأنه يصير المعنى : فحاق بالذين سخروا كائنين من المستهزئين ، فلا حاجة إلى هذه الحال ؛ لأنها مفهومة من قوله : « سخروا » وجوّزوا أن تكون « ما » مصدريّة ، ذكره أبو حيّان ولم يتعرض « 6 » للضمير في « به » .
هامش
( 1 ) ينظر : السبعة 174 ، النشر 2 / 247 ، البحر المحيط 4 / 85 ، الدر المصون 3 / 14 .
( 2 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 85 ، الدر المصون 3 / 14 .
( 3 ) في أ : صفة .
( 4 ) ينظر : الإملاء 1 / 236 والدر المصون 3 / 15 .
( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 85 الدر المصون 3 / 15 .
( 6 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 85 .