تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
ويجوز أن يكون « صمّ » خبر مبتدأ محذوف ، والجملة خبر الأوّل ، والتقدير : والذين كذّبوا بعضهم صمّ ، وبعضهم بكم . وقال أبو البقاء « 1 » :
« صُمٌّ وَبُكْمٌ »
الخبر مثل : « حلو حامض » ، والواو لا تمنع من ذلك » . وهذا الذي قاله لا يجوز من وجهين : أحدهما : أن ذلك إنما يكون إذا كان الخبران في معنى خبر واحد ، لأنهما في معنى : « مزّ » ، وهو « أعسر يسر » بمعنى « أضبط » ، وأمّا هذان الخبران فكل منهما مستقلّ بالفائدة . والثاني : أن « الواو » لا تجوز في مثل هذا إلا عند أبي عليّ الفارسي وهو وجه ضعيف . والمراد بالآيات ، قيل : جميع الدّلائل والحجج . وقيل : القرآن ومحمد عليه السلام . قوله :
« فِي الظُّلُماتِ »
فيه أوجه : أحدها : أن يكون خبرا ثانيا لقوله :
« وَالَّذِينَ كَذَّبُوا »
ويكون ذلك عبارة عن العمى ويصير نظير الآية الأخرى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
[ البقرة : 18 ] فعبّر عن العمى بلازمه ، والمراد بذلك عمى البصيرة . الثاني : أنه متعلّق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكنّ في الخبر ، تقديره : ضالون حال كونهم مستقرّين في الظلمات . الثالث : أنه صفة ل « بكم » ، فيتعلّق أيضا بمحذوف ، أي : بكم كائنون في الظلمات . الرابع : أن يكون ظرفا على حقيقته ، وهو ظرف ل « صم » ، أو ل « بكم » . قال أبو البقاء « 2 » : أو لما ينوب عنهما من الفعل ، أي : لأن الصفتين في قوة التصريح بالفعل .

فصل في بيان نظم الآية

في وجه النّظم قولان : الأول : أنه - تعالى - لما بيّن من حال الكفّار أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث كانت قلوبهم قد صارت ميّتة عن قبول الإيمان بقوله :
« إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ »
فذكر هذه الآية تقريرا لذلك المعنى « 3 » . الثاني : أنه - تعالى - لمّا ذكر في قوله :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
في كونها دالّة على كونها تحت تدبير مدبّر قديم ، وتحت تقدير مقدّر حكيم ، وفي أنّ عناية اللّه محيطة بهم ، ورحمته واصلة إليهم - قال بعده : والمكذّبون بهذه الدّلائل
هامش
( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 241 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 241 . ( 3 ) ينظر : الرازي 12 / 181 .