في اتّصال هذه الآية بما قبلها وجهان :
أحدهما : أنّها متّصلة بقوله :
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ
لأن الإنسان لا يكون قائما بالقسط ، إلا إذا كان راسخا في الإيمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية .
الثاني : أنه - تعالى - لمّا بين الأحكام الكثيرة في هذه السّورة ، ذكر عقيبها الأمر بالإيمان ، وفي هذا الأمر وجوه :
أحدها : قال الكلبيّ ، عن أبي صالح ، عن ابن عبّاس : نزلت هذه الآية في عبد اللّه ابن سلام ، وأسد وأسيد ابني كعب ، وثعلبة بن قيس ، وسلام ابن أخت عبد اللّه بن سلام ، وسلمة ابن أخيه ، ويامين بن يامين ، فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا « 2 » : إنّا نؤمن بك ، وبكتابك ، وبموسى ، [ والتّوراة ] « 3 » وبعزير ، ونكفر بما سواه من الكتب والرّسل ، فقال لهم النّبي صلى اللّه عليه وسلم : « بل آمنوا باللّه ، ورسوله محمّد ، والقرآن ، وبكل كتاب قبله » فقالوا : لا نفعل ، فأنزل اللّه :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا »
يعني : بمحمّد [ والقرآن ] « 4 » وبموسى والتّوراة ،
« آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ »
: محمد
وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ
: من التّوراة ، والإنجيل ، والزّبور ، وسائر الكتب « 5 » ؛ لأن المراد بالكتاب الجنس .
وقيل : الخطاب مع المنافقين ، والتّقدير : يأيّها الذين آمنوا باللّسان ، آمنوا بالقلب ، ويؤيده قوله - تعالى - :
مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
[ المائدة : 41 ] .
وقيل : خطاب مع الّذين آمنوا وجه النّهار ، وكفروا آخره ، والتقدير : يأيّها الّذين آمنوا وجه النّهار ، آمنوا آخره .
وقيل : الخطاب للمشركين ، تقديره : يأيّها الذين آمنوا باللّات والعزّى ، آمنوا .
وقيل : المعنى : يا أيها الذين آمنوا ، دوموا على الإيمان ، واثبتوا عليه ، أي : يأيّها الذين آمنوا في الماضي والحاضر ، آمنوا في المستقبل ؛ كقوله :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ محمد : 19 ] مع أنه كان عالما بذلك .
وقيل : المراد ب
« الَّذِينَ آمَنُوا »
: جميع النّاس ، وذلك يوم أخذ عليهم الميثاق .
وقيل : يا أيّها الّذين آمنوا على سبيل التّقليد ، آمنوا على سبيل الاستدلال .
( 1 ) سقط في ب .
هامش
( 2 ) في ب : قالوا .
( 3 ) سقط في ب .
( 4 ) سقط في أ .
( 5 ) أخرجه الثعلبي في « تفسيره » من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس كما في « الدر المنثور » ( 2 / 414 ) .