تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 587

مساهمون:

ص٥٨٧
وعن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - أنّه بقيت تلك الواقعة مخفيّة إلى أن أسلم تميم الدّاري ، فلما أسلم أخبر بذلك ، فقال : حلفت كاذبا أنا وصاحبي ، بعنا الإناء بألف وقسّمنا الثّمن ، ثمّ دفع خمسمائة درهم من نفسه ، ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ، ودفع الألف إلى موالي الميّت « 1 » ، فكذلك قوله :
ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها
، أي : ذلك الذي حكمنا به من ردّ اليمين ، أجدر وأحرى أن يأتي الوصيّان بالشّهادة على وجهها ، وأدنى معناه : أقرب إلى الإتيان بالشّهادة على ما كانت
أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ
أي : أقرب إلى أن يخافوا ردّ اليمين بعد يمينهم على المدّعي ، فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم ، فيفتضحوا ويغرموا ، فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم ،
« وَاتَّقُوا اللَّهَ »
: أن تحلفوا أيمانا كاذبة ، أو تخونوا أمانة ، « واسمعوا » : الموعظة ،
« وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ »
، وهذا تهديد ووعيد لمن يخالف حكم اللّه وأوامره . روى الواحدي - رحمه اللّه - في « البسيط » « 2 » ، عن عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - أنّه قال : هذه الآية أعضل ما في هذه السّورة من الأحكام . ولنرجع إلى إعراب بقيّة الآية . قوله
« ذلِكَ أَدْنى »
لا محلّ لهذه الجملة ؛ لاستئنافها ، والمشار إليه الحكم السابق بتفصيله ، أي : ما تقدّم ذكره من الأحكام أقرب إلى حصول إقامة الشّهادة على ما ينبغي ، وقيل : المشار إليه الحبس بعد الصلاة ، وقيل : تحليف الشاهدين ، و « أن يأتوا » أصله : « إلى أن يأتوا » ، وقدّره أبو البقاء « 3 » ب « من » أيضا ، أي : أدنى من أن يأتوا ، وقدّره مكيّ « 4 » بالباء ، أي : بأن يأتوا ، قال شهاب الدين « 5 » : وليسا بواضحين ، ثم حذف حرف الجر ، فنشأ الخلاف المشهور ، و
« عَلى وَجْهِها »
متعلّق ب « يأتوا » ، وقيل : في محلّ نصب على الحال منها ، وقدّره أبو البقاء « 6 » ب « محققة وصحيحة » ، وهو تفسير معنى ؛ لما عرفت غير مرة من أنّ الأكوان المقيّدة لا تقدّر في مثله . قوله : « أو يخافوا » في نصبه وجهان : أحدهما : أنه منصوب ؛ عطفا على « يأتوا » ، وفي « أو » على هذا تأويلان : أحدهما : أنها على بابها من كونها لأحد الشيئين ، والمعنى : ذلك الحكم أقرب إلى حصول الشهادة على ما ينبغي ، أو خوف ردّ الأيمان إلى غيرهم ، فتسقط أيمانهم ، والتأويل الآخر : [ أن ] تكون بمعنى الواو ، أي : ذلك الحكم كله أقرب إلى أن يأتوا ، وأقرب إلى أن يخافوا ، وهذا مفهوم من قول ابن عبّاس .
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 12 / 101 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 231 . ( 4 ) ينظر : المشكل 1 / 253 . ( 5 ) ينظر : الدر المصون 2 / 639 . ( 6 ) ينظر : الإملاء 1 / 231 .