ولا حالا عن الجثة ، وقد تقدم نحو هذا في أول البقرة عند قوله :
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ البقرة : 21 ] ، فإن الصلة كالصفة ، و « بها » متعلق ب « كافرين » ، وإنما قدم لأجل الفواصل .
قوله تعالى :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 103 ]
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 103 )
لما منع الناس من البحث عن أمور لم يكلفوا بالبحث عنها ، كذلك منعهم من التزام أمور لم يكلفوا بالتزامها ، ولما كان الكفار يحرمون على أنفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات ، وإن كانوا في غاية الحاجة إلى الانتفاع بها ، بين الله - تعالى - أن ذلك باطل .
« جعل » يجوز أن يكون بمعنى « سمى » ويتعدى لمفعولين ، أحدهما محذوف ، والتقدير : ما جعل - أي ما سمى - الله حيوانا [ بحيرة ] .
قاله أبو البقاء « 1 » . وقال ابن عطية « 2 » والزمخشري « 3 » وأبو البقاء « 4 » : « إنها تكون بمعنى شرع ووضع ، أي : ما شرع الله ولا أمر » ، وقال الواحدي - بعد كلام طويل - « فمعنى ما جعل الله من بحيرة : ما أوجبها ولا أمر بها » ، وقال ابن عطية : « وجعل في هذه الآية لا تكون بمعنى « خلق » ؛ لأن الله خلق هذه الأشياء كلها ، ولا بمعنى « صير » ؛ لأن التصيير لا بد له من مفعول ثان ، فمعناه : ما سن الله ولا شرع » . ومنع أبو حيان « 5 » هذه النقولات كلها بأن « جعل » لم يعد اللغويون من معانيها « شرع » ، وخرج الآية على التصيير ، ويكون المفعول الثاني محذوفا ، أي : ما صير الله بحيرة مشروعة ، وفي قوله لم يعد اللغويون في معانيها « شرع » نظر ؛ لأن الآية المتقدمة تدل على ذلك وهي قوله :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ .
والبحيرة : فعيلة بمعنى مفعولة ، فدخول تاء التأنيث عليها لا ينقاس ، ولكن لما جرت مجرى الأسماء الجوامد أنثت ، وقد تقدم إيضاح هذا في قوله
وَالنَّطِيحَةُ
[ المائدة : 3 ] ، واشتقاقها من البحر ، والبحر : السعة ، ومنه « بحر الماء » لسعته وهي الناقة المشقوقة الأذن ، يقال : بحرت « 6 » أذن الناقة إذا شققتها شقا واسعا ، والناقة بحيرة ومبحورة .
واختلف أهل اللغة في البحيرة عند العرب ما هي اختلافا كثيرا ، فقال أبو عبيد :
« هي الناقة التي تنتج خمسة أبطن في آخرها ذكر ، فتشق أذنها ، وتترك فلا تركب ولا تحلب ولا تطرد عن مرعى ولا ماء ، وإذا لقيها المعيي لم يركبها » وروي ذلك عن ابن
هامش
( 1 ) ينظر : الإملا 1 / 228 .
( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 247 .
( 3 ) ينظر : الكشاف 1 / 685 .
( 4 ) ينظر : الإملا 5 / 211 .
( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 38 .
( 6 ) في أ : فذلك تحرير .