تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
في التّرهّب فقال : إنّ ترهّب أمّتي الجلوس في المساجد ، وانتظار الصّلاة « 1 » . وعلى هذا ظهر وجه النّظم بين هذه الآية ، وبين ما قبلها ، وذلك أنّه تعالى مدح النّصارى ، بأنّ منهم قسّيسين ورهبانا ، وعادتهم الاحتراز عن طيّبات الدّنيا ولذّاتها ، فلمّا مدحهم أوهم ذلك المدح ترغيب المسلمين في مثل تلك الطّريقة ، فذكر تعالى عقيبه هذه الآية ، إزالة لذلك الوهم ؛ ليظهر للمسلمين أنّهم ليسوا مأمورين بتلك الطّريقة ؛ واللّه أعلم . فإن قيل : ما الحكمة في هذا النّهي ؟ ومن المعلوم أنّ حبّ الدّنيا مستول على الطّباع والقلوب ، فإذا توسّع الإنسان في اللّذّات والطّيّبات ، اشتدّ ميله إليها وعظمت رغبته فيها ، وكلّما أكثر التّنعيم ودام كان ذلك الميل أقوى وأعظم ، وكلّما ازداد الميل قوّة ورغبة ، ازداد حرصه في طلب الدّنيا ، واستغراقه في تحصيلها ، وذلك يمنعه عن الاستغراق في معرفة اللّه - تعالى - وطاعته ، ويمنعه عن طلب سعادات الآخرة ، وأمّا إذا أعرض عن
هامش
( 1 ) أخرجه البغوي بسنده المتصل بهذا اللفظ في شرح السنة 2 / 370 ، كتاب الصلاة ، باب فضل القعود في المسجد ، الحديث ( 484 ) من حديث سعد بن مسعود الصحابي رضي اللّه عنه « أن عثمان بن مظعون أتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ! ائذن لنا في الاختصاء . . . » ولم أجده عند أحد من أصحاب الأصول بهذا الإسناد وسنده فيه مقال على ما ذكره ميرك ( القاري ، المرقاة 1 / 461 ) ويعني ميرك بذلك « رشدين بن سعد » و « ابن أنعم الإفريقي » أما « رشدين بن سعد » فذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 2 / 49 ونقل قول أحمد : ( لا يبالي عمّن روى ، وليس به بأس في الرقاق ، وقال : أرجو أنه صالح الحديث ) . وأما « ابن أنعم » فذكره الذهبي أيضا في الميزان 2 / 561 وقال : ( كان البخاري يقوّي أمره ، ولم يذكره في كتاب الضعفاء ) . وحديث عثمان بن مظعون رضي اللّه عنه صحيح ومشهور من رواية سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه ، أخرجه الشيخان ، وغيرهما ، ولفظه عند البخاري في صحيحه 9 / 117 ، كتاب النكاح ، باب ما يكره من التبتل والخصاء ، الحديث ( 5073 ) و ( 5074 ) : « ردّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على عثمان بن مظعون التّبتّل ، ولو أذن له لاختصينا » . وأخرجه مسلم في صحيحه 2 / 1020 ، كتاب النكاح ، باب استحباب النكاح ، الحديث ( 6 / 1042 ) . ومن رواية عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها أخرجه أحمد في المسند 6 / 226 ، عن عروة قال : « دخلت امرأة عثمان بن مظعون - أحسب اسمها خولة بنت حكيم - على عائشة وهي باذّة الهيئة ، فسألتها : ما شأنك ؟ فقالت : زوجي يقوم الليل ويصوم النهار ، فدخل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فذكرت عائشة ذلك له ، فلقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عثمان فقال : « يا عثمان ! إن الرهبانية لم تكتب علينا ، أفما لك فيّ أسوة ؟ فو اللّه إني أخشاكم للّه ، وأحفظكم لحدودة » . ومن رواية أبي أمامة رضي اللّه عنه أخرجه أبو داود في السنن 3 / 12 ، كتاب الجهاد ، باب في النهي عن السياحة ، الحديث ( 2486 ) عن أبي أمامة « أن رجلا قال : يا رسول اللّه ! ائذن لي في السياحة . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : إنّ سياحة أمّتي الجهاد في سبيل اللّه » . ومن رواية عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه أخرجه أحمد في المسند 2 / 173 ، عن عبد اللّه بن عمرو قال : « جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ! ائذن لي أن أختصي ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : خصاء أمتي الصيام والقيام » .