تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
أي : سبيلا وسنّة « 1 » ، وأراد بهذا أن الشّرائع مختلفة ولكلّ أمّة شريعة . قال قتادة : الخطاب للأمم الثّلاث : أمّة موسى ، وأمّة عيسى ، وأمّة محمد - صلوات اللّه وسلامه عليهم « 2 » - لتقدّم ذكرهم . فإن قيل : قد وردت آيات تدلّ على عدم التّباين في طريقة الأنبياء - عليهم السلام - كقوله تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
[ الشورى : 13 ] إلى قوله تعالى :
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
[ الشورى : 13 ] وقال تعالى
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] ، وآيات دلّت على التّباين في هذه الآية فكيف الجمع ؟ فالجواب : أنّ الأوّل ينصرف إلى أصول الدّيانات . والثاني ينصرف إلى الفروع . واحتجّ أكثر العلماء « 3 » بهذه الآية على أنّ شرع من قبلنا لا يلزمنا ؛ لأنّها تدلّ على أنّ لكلّ رسول شريعة خاصّة . قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
، أي : جماعة متّفقة على شريعة واحدة ، أو ذوي أمة واحدة ، أو دين واحد لا اختلاف فيه . قال أهل السّنّة « 4 » : وهذا يدلّ على أن الكلّ بمشيئة اللّه - تعالى - ، والمعتزلة : حملوه على مشيئة الإلجاء . قوله تعالى :
« وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ »
متعلّق بمحذوف ، فقدّره أبو البقاء « 5 » : « ولكن فرّقكم ليبلوكم » . وقدّره غيره « ولكن لم يشأ جعلكم أمّة واحدة » . قال شهاب الدين « 6 » : وهذا أحسن ؛ لدلالة اللّفظ والمعنى عليه . ومعنى « ليبلولكم » : ليختبركم ، « فيما آتاكم » : من الكتب وبيّن لكم من الشّرائع ، فبيّن المطيع من العاصي ، والموافق من المخالف ،
« فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ »
فبادروا إلى الأعمال الصّالحة قوله تعالى :
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
استئناف في معنى التّعليل لاستباق الخيرات .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 611 - 612 ) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 513 ) عن ابن عباس وزاد نسبته لعبد بن حميد وسعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس . ( 2 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 12 / 12 ) . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 12 / 12 . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق . ( 5 ) ينظر : الإملاء 1 / 217 . ( 6 ) ينظر : الدر المصون 2 / 539 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 371 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب