تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
كونه متصدقا ، أنه إذا جنى جناية ، ولم يعرف به أحد ، فعرف هو بنفسه ، كان ذلك الاعتراف بمنزلة التصدق الماحي لذنبه وجنايته قاله مجاهد . ويحكى عن عروة بن الزبير أنه أصاب إنسانا في طوافه ، فلم يعرف الرجل من أصابه ، فقال له عروة : « أنا أصبتك ، وأنا عروة بن الزّبير ، فإن كان يعنيك شيء فها أنا ذا » « 1 » وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون « تصدّق » من الصدقة ، وأن يكون من الصّدق . قال شهاب الدين « 2 » : فالأول واضح ، والثاني معناه أن يتكلف الصدق ؛ لأن ذلك مما يشق . وقوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ
يجوز في « من » أن تكون شرطية ، وهو الظاهر ، وأن تكون موصولة ، والفاء في الخبر زائدة لشبهه بالشرط . و « هم » في قوله :
« هُمُ الْكافِرُونَ »
ونظائره فصل أو مبتدأ « 3 » ، وكله ظاهر مما تقدّم في نظائره . فإن قيل : إنه ذكر أولا قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
وثانيا :
« هُمُ الظَّالِمُونَ »
والكفر أعظم من الظلم . فلماذا ذكر أعظم التهديدات ، ثم ذكر بعده الأخف فأيّ فائدة في ذلك ؟ فالجواب : أن الكفر من حيث إنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها ، فهو كفر ، ومن حيث إنه يقتضي إلقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم للنفس ففي الآية الأولى ذكر ما يتعلق بتقصيره في حق نفسه واللّه أعلم . قوله تعالى :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 46 ]

وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 46 ) قوله تعالى :
وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ
الآية ، قد تقدم معنى « قفينا » وأنه من قفا يقفو أي : تبع قفاه في البقرة [ الآية 87 ] وقوله تعالى :
« عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى »
كلا الجارّين متعلق به على تضمينه معنى « جئنا به على آثارهم قافيا لهم » . وقد تقدم أيضا أن التضعيف فيه ليس للتعدية لعلّة ذكرت هناك ، وإيضاحها أنّ « قفا » متعدّ لواحد قبل التضعيف ، قال تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
[ الإسراء : 36 ] ف « ما » موصولة بمعنى « الذي » هي مفعول ، وتقول العرب : « قفا فلان أثر فلان » أي : تبعه ، فلو كان التضعيف للتعدّي لتعدى إلى اثنين ، فكان التركيب يكون : « ثم قفيناهم عيسى ابن مريم » ف « هم » مفعول ثان ، و « عيسى » أول ، ولكنه ضمّن كما تقدم ، فلذلك تعدى
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 603 ) عن مجاهد . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 2 / 533 . ( 3 ) في ب : انتهى قوله تعالىفَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.