تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
أحدها : أنه تعالى قال فيما تقدّم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ
فذكر أنّ الأعداء يريدون إيقاع البلاء بهم ، لكنّه تعالى يحفظهم [ بفضله ] ويمنع أعداءهم من إيصال الشّرّ إليهم ، ثم ذكر قصصا تدلّ في أنّ كلّ من خصّه اللّه به - تعالى - من النّعم العظيمة في الدّين والدّنيا فإنّ الناس يتنازعونه حسدا ، فذكر قصة النّقباء الاثني عشر ، وأخذ الميثاق منهم ، ثم إنّ اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللّعن والقساوة ، وذكر بعده شدّة إصرار النصارى على الكفر ، وقولهم ب « التّثليث » بعد ظهور الدّلائل الواضحة القاطعة على فساد اعتقادهم ، وما ذلك إلا حسدا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم فيما آتاه اللّه من الدّين الحقّ « 1 » ثم ذكر قصّه موسى في محاربة الجبّارين ، وإصرار قومه على التّمرّد والعصيان ، ثم ذكر بعده قصّة ابني آدم ، وأنّ أحدهما قتل الآخر حسدا على قبول قربانه ، وكل هذه القصص دالّة على أنّ كل ذي نعمة محسود ، فلما كانت نعم اللّه على محمّد صلى اللّه عليه وسلم أعظم النعم لم يبعد اتّفاق الأعداء على كيده ، فكان ذكر هذه القصص تسلية له فيما هدّده به اليهود من المكر والكيد « 2 » . ثانيها : أنّه متعلّق بقوله :
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
. وهذه القصص مذكورة في التّوراة « 3 » . وثالثها : أنّها متعلّقة بقصة [ محاربة ] « 4 » الجبّارين ، أي : ذكّروا اليهود بحديث ابني آدم ؛ ليعلموا أن سبيل أسلافهم في النّدامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعاصي ، مثل سبيل ابني آدم في ندامة أحدهما على قتل الآخر « 5 » . رابعها : أنه متّصل بحكاية قول اليهود والنّصارى :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
[ المائدة : 18 ] أي : لا ينفعهم كونهم أولاد الأنبياء « 6 » مع كفرهم ، كما لم ينتفع ولد آدم بقتل أخيه بكون أبيه نبيّا معظما عند اللّه - تعالى - . وخامسها : لما كفر أهل الكتاب بمحمّد - عليه الصلاة والسلام - حسدا أخبرهم اللّه - تعالى - بخبر ابني آدم ، وأنّ الحسد أوقعه في سوء الخاتمة ، والمقصود منه التّحذير عن الحسد « 7 » .
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 11 / 160 . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 11 / 160 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) ينظر : تفسير الرازي 11 / 160 . ( 6 ) في أ : اللّه . ( 7 ) اعلم أنه لا حسد إلّا على نعمة ، فإذا أنعم اللّه على أخيك بنعمة ، فلك فيها حالتان : إحداهما : أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها ، وهذه الحالة تسمى حسدا ؛ فالحسد حدّه كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه . -