تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
الثالث : أنه - تعالى - وصف من باء بسخط من اللّه - وهو أن مأواهم جهنم وبئس المصير - فوجب أن يكون قوله : « هم درجات » وصفا لمن اتبع رضوان اللّه . وإن أعدنا الضمير إلى من باء بسخط فلأنه أقرب ، وهو قول الحسن ، قال : إن المراد به أن أهل النار متفاوتون في مراتب العذاب ، كقوله :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
[ الأحقاف : 19 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم « إنّ فيها ضحضاحا وغمرا ، وأنا أرجو أن يكون أبو طالب في ضحضاحها » . وقال صلى اللّه عليه وسلم « إنّ أهون أهل النّار عذابا رجل له نعلان من نار يغلي من حرّهما دماغه » . وإذا أعدنا الضمير إليهما فلأن درجات أهل الثواب متفاوتة ، وكذلك درجات أهل العقاب ، قال تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 ، 8 ] . وقوله : « عند اللّه » أي : في حكم اللّه وعلمه ، كما يقال : هذه المسألة عند الشافعيّ كذا ، وعند أبي حنيفة كذا . ثم قال :
« وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ »
اي : عالم بجميع أفعال العباد على التفصيل .

فصل [ في تأويل قوله تعالى : « وما كان لنبي أن يغلّ » ]

فصل ذكر محمد بن إسحاق - في تأويل قوله تعالى :
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
- وجها آخر ، فقال : أي : ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه اللّه به إليهم ، رغبة أو رهبة ، ثم قال :
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
يعني : رجّح رضوان اللّه على رضوان الخلق وسخط اللّه على الخلق
كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ
فرجّح سخط الخلق على سخط اللّه ، ورضوان الخلق على رضوان اللّه ؟ ووجه النّظم - على هذا التقدير - أنه تعالى لما قال :
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
بيّن أنّ ذلك إنما يكون معتبرا إذا كان على وفق الدين ، فأما إذا كان على خلاف الدّين فإنه غير جائز ، فكيف يمكن التسوية بين من اتبع رضوان اللّه وطاعته وبين من اتبع رضوان الخلق ؟ قال ابن الخطيب : « وهذا الذي ذكره محتمل ، لأنا بيّنّا أنّ الغلول عبارة عن الخيانة على سبيل الخفية ، فأما اختصاص هذا اللفظ بالخيانة في الغنيمة ، فهو عرف حادث » . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 164 ]

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 164 )
« لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ »
جواب لقسم محذوف ، وقرىء : لمن منّ اللّه « 1 » - ب « من » الجارة ، و « منّ » - بالتشديد مجرورها - وخرّجه الزمخشريّ على وجهين :
هامش
( 1 ) انظر : البحر المحيط 3 / 109 ، والدر المصون 2 / 250 .