تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
إنما خلق ليستمتع بها ، والاستمتاع بمتاع الدنيا على وجوه : منها : أن ينفرد به من خصّه اللّه تعالى بهذه النعم ، فيكون مذموما . ومنها : أن يترك الانتفاع به - مع الحاجة إليه - فيكون مذموما . ومنها : أن ينتفع به في وجه مباح ، من غير أن يتوصل بذلك إلى مصالح الآخرة ، وذلك لا ممدوح ولا مذموم . ومنها : أن ينتفع به على وجه يتوصل به إلى مصالح الآخرة ، وذلك هو الممدوح . قوله :
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ،
أي : المرجع ، فالمآب : مفعل ، من آب ، يئوب ، إيابا ، وأوبة وأيبة ، ومآبا ، أي : رجع ، والأصل : مأوب ، فنقلت حركة الواو إلى الهمزة الساكنة قبلها ، فقلبت الواو ألفا ، وهو - هنا - اسم مصدر ، أي : حسن الرجوع ، وقد يقع اسم مكان ، أو زمان ، تقول : آب يئوب أوابا وإيابا كقوله تعالى :
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ
[ الغاشية : 25 ] وقوله :
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً لِلطَّاغِينَ مَآباً
[ النبأ : 21 - 22 ] . فإن قيل : المآب قسمان : الجنة ، وهي في غاية الحسن ، والنار ، وهي خالية عن الحسن فكيف وصف المآب المطلق بالحسن ؟ فالجواب : أنّ المقصود - بالذات - هو الجنة ، وأما النار فمقصودة بالعرض ، والمقصود من الآية التزهيد في الدنيا ، والترغيب في الآخرة ؛ لأن قوله :
ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
أي : ما يتمتع به فيها ، ثم يذهب ولا يبقى ، قال - عليه السلام - « إنّما الدّنيا متاع ، وليس من متاع الدّنيا شيء أفضل من المرأة الصّالحة » « 1 » ، وقال - عليه السلام - : « ازهد في الدّنيا يحبّك اللّه » أي : في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضّروريّ واللّه - تعالى - أعلم . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 15 إلى 17 ]

قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 15 ) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 16 ) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ ( 17 ) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو « 2 » بتحقيق الأولى ، وتسهيل الثانية ، والباقون بالتحقيق فيهما ، ومد هاتين الهمزتين - بلا خلاف - قالون عن نافع ، وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر بخلاف عنهما والباقون بغير مدّ على أصولهم من تحقيق وتسهيل .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( 2 / 1090 ) كتاب الرضاع باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة ( 64 - 1467 ) وأبو نعيم في الحلية ( 3 / 310 ) عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص والبغوي في شرح السنة ( 5 / 9 ) . ( 2 ) انظر : السبعة 134 ، وإتحاف فضلاء البشر 1 / 470 ، 471 ، والدر المصون 2 / 35 ، وحجة القراءات 155 - 157 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 81 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب