تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 596

مساهمون:

ص٥٩٦
قوله :
بِما أَشْرَكُوا
« ما » مصدرية ، والمعنى : بسبب إشراكهم باللّه ، وتقريره : أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار ، كقوله :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
[ النمل : 62 ] ومن اعتقد أن للّه شريكا لم يحصل له الاضطرار ؛ لأنه يقول : إذا كان هذا المعبود لا ينصرني ، فالآخر ينصرني ، وإذا لم يحصل في قلبه الاضطرار لم تحصل له الإجابة ولا النصرة وإذا لم يحصل ذلك وجب أن يحصل الرعب والخوف في قلبه فثبت أن الشرك باللّه يوجب الرعب . قوله :
ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً
السّلطان - هنا - : الحجة والبرهان ، وفي اشتقاقه وجوه : فقيل : من سليط السراج الذي يوقد به ، شبّه به لإنارته ووضوحه . قاله الزجاج . وقال ابن دريد : من السلاطة ، وهي الحدّة والقهر . وقال الليث : السلطان : القدرة ؛ لأن أصل بنائه من التسليط ، فسلطان الملك : قوته وقدرته ، ويسمى البرهان سلطانا ، لقوته على دفع الباطل . فإن قيل : إن هذا الكلام يوهم أنّ فيه سلطانا إلا أنّ اللّه - تعالى - ما أنزله ؟ فالجواب : أن تقدير الكلام أنه لو كان لأنزل اللّه به سلطانا ، فلما لم ينزل به سلطانا وجب عدمه . وحاصل الكلام فيه ما يقوله المتكلمون : إن هذا لا دليل عليه ، فلم يجز إثباته . وبالغ بعضهم ، فقال : لا دليل عليه ، فيجب نفيه .

[ فصل في دلالة هذه الآية ]

فصل استدلوا بهذه الآية على فساد التقليد ؛ لأن الآية دلّت على أنّ الشّرك لا دليل عليه ، فوجب أن يكون القول به باطلا ، فكذلك كل قول لا دليل عليه . وقوله :
وَمَأْواهُمُ النَّارُ
بين تعالى أنّ أحوال المشركين في الدنيا هو وقوع الخوف في قلوبهم وأحوالهم في الآخرة هي أن مأواهم : مسكنهم النار . قوله :
وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ
المخصوص بالذّم محذوف ، أي : مثواهم ، أو النار . المثوى : مفعل ، من ثويت - أي : أقمت - فلامه ياء وقدم المأوى - وهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان - على المثوى - وهو مكان الإقامة - لأن الترتيب الوجوديّ أن يأوي ، ثم يثوي ، ولا يلزم من المأوى الإقامة ، بخلاف عكسه . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 152 ]

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 152 )