تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 144 ]

وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) « ما » نافية ، ولا عمل لها هنا مطلقا - أعني : على لغة الحجازيين والتميميّين ؛ لأن التميميين لا يعملونها - البتة - والحجازيين يعملونها بشروط ، منها : ألا ينتقض النفي ب « إلا » إذ يزول السبب الذي عملت لأجله - وهو شبهها ب « ليس » في نفي الحال - فيكون « محمّد » مبتدأ ، و « رسول » خبر « 1 » .
هامش
( 1 ) هذا أحد المواضع التي يتقدم فيها المبتدأ ويتأخر الخبر وجوبا وحاصلها خمسة مواضع . أولها : أن يخاف التباسه بالمبتدأ ، وذلك إذا كانا معرفتين أو نكرتين متساويين في التخصيص ( أي كل منهما صالحة لجعلها مبتدأ ) ولا قرينة تميز أحدهما من الآخر ؛ فالمعرفتان نحو : ( سرورنا غم أعداءنا ) و ( صديقي علي ) فلو قدمت الخبر يصير التركيب هكذا ( غمّ أعداءنا سرورنا ) و ( علي صديقي ) لتوهم أنه مبتدأ وعلى ذلك يكون للجملة معنى غير المعنى الأول . واعلم أن المراد بتعريفهما : ما يشمل المتحدين في النوع والمختلفين فيه ، فالأول نحو : ( صديق زيد صديق عمرو ) والثاني نحو : ( محمد الأكرم - وأنت الأفضل ) فكل منهما صالح لأن يخبر به وعنه ، فإنك لو قلت : أحمد أخي ، وقدمت أخي على أحمد ، لصح ذلك ، إلا أن المعنى يختلف باختلاف الفرض ، فإذا كان المخاطب يعرف أحمد بعينه واسمه ، لكنه يجهل اتصافه بأنه أخوك قلت له : - أحمد أخي لا غير ذلك تقول . أما إذا كان يعرف أن لك أخا غير أنه يجهل عينه واسمه ، قلت له أخي أحمد - وكذا الحال في المثال المتقدم ؛ فإنه لا يكون على ما ذكر من الترتيب ، إلا إذا كان يعرف مخاطبك أن لك صديقا ويجهل اسمه ، فإذا كان يعلم اسمه دون صداقته عكست له ذلك الترتيب وقلت : - علي صديقي ، فالمجهول للمخاطب هو الذي يجعل خبرا في مثل ذلك ، هذا هو المشهور ، وبعضهم يجوز التأخير فيجعل الجزء الثاني مما تقدم من الأمثلة مبتدأ مؤخرا ، مع جواز أن يكون خبرا . وبعضهم ينظر إلى الأعم منهما فما كان أعم جعل خبرا ، نحو « زيد صديقه » إذا كان له أصدقاء غيره . وبعضهم يرى : أن الأعرف هو المبتدأ وغيره الخبر ( كأنتم الذين أحسنتم ) ما عدا اسم الإشارة مع معرفة أخرى فإنه يتعين للابتدائيه لمكان حرف التنبيه ، وإن كانت المعرفة الأخرى أعرف منه ، تقدّم إلّا مع الضمير ، فإنه يتعين جعل الضمير مبتدأ وإدخال حرف التنبيه عليه فتقول : ( ها أنذا ) وقد سمع ( هذا أنا ) . وبعضهم ينظر إلى جمودهما واشتقاقهما ؛ فالجامد هو المبتدأ والخبر المشتق تقدم أو تأخر ، نحو : ( القائم زيد ) . وأما النكرتان المتساويتان فنحو : ( أفضل منك أفضل مني ) أي لكوني دونك أو مساويك هذا عند عدم القرينة ، أما إذا وجدت فالحكم لها ، نحو : ( رجل صالح حاضر ) ففي هذا المثال قرينة لفظية هي الصفة ، فإنها قاضية بأن النكرة الموصوفة مبتدأ ، متقدمة كانت أو متأخرة . كما لا يجب تأخير الخبر في هذا ونحوه ؛ لوجود القرينة اللفظية ، كذلك لا يجب مع وجود القرينة المعنوية ، نحو : أبو يوسف أبو حنيفة . فإن القرينة المعنوية وهي التشبيه الحقيقي قاضية بأن ( أبو يوسف ) مبتدأ ؛ لأنه مشبه وأبو حنيفة الخبر ؛ لأنه مشبه به تقدم أو تأخر ؛ ومن ذلك قول الشاعر :بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأباعدفإن قرينة التشبيه الحقيقي حاكمة بأن بني الأبناء مشبهون بالأبناء في محبتهم والعطف عليهم فبنو أبنائنا مبتدأ موخر ، وبنونا خبر مقدم أي بنو أبنائنا مثل بنينا هذا على حقيقة التشبيه ويضعف أن يكون على التشبيه المقلوب للمبالغة لأن التشبيه المقلوب أمر نادر ولا يحمل على النادر إلا اضطرارا . ثانيها : أن يخاف التباس المبتدأ بالفاعل وذلك إذا كان الخبر فعلا مسندا لضمير المبتدأ المستتر بمعنى أن يكون فاعل ذلك الفعل ليس له صورة في اللفظ بل يكون ضميرا مستترا ، نحو : ( محمد قام ، أو -