قوله تعالى :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 12 ]
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 12 )
قرأ الأخوان « 1 » : « سيغلبون » و « يحشرون » - بالغيبة - والباقون بالخطاب ، وهما واضحان كقولك : قل لزيد : قم ؛ على الحكاية ، وقل لزيد : يقوم وقد تقدم نحو من هذا في قوله :
لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ .
وقال أبو حيّان : - في قراءة الغيبة - : « الظاهر أنّ الضمير للذين كفروا ، وتكون الجملة - إذ ذاك ليست محكية ب « قل » بل محكية بقول آخر ، التقدير : قل لهم قولي :
سيغلبون وإخباري أنهم سيقع عليهم الغلبة ، كما قال : « قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف » فبالتاء أخبرهم بمعنى ما أخبر به من أنهم سيغلبون ، وبالياء أخبرهم باللفظ الذي أخبر به أنهم سيغلبون » .
وهذا الذي قاله سبقه إليه الزمخشريّ ، فأخذه منه ، ولكن عبارة الزمخشريّ أوضح ، قال رحمه اللّه : فإن قلت : أيّ فرق بين القراءتين - من حيث المعنى ؟
قلت معنى القراءة بالتاء - أي من فوق - الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنّم ، فهو إخبار بمعنى : ستغلبون وتحشرون ، فهو كائن من نفس المتوعّد به ، وهو الذي يدل عليه اللفظ ومعنى القراءة بالياء الأمر بأن يحكي لهم ما أخبر به من وعيدهم بلفظه ، كأنه قال : أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك : « سيغلبون ويحشرون » .
وجوّز الفرّاء « 2 » وثعلب أن يكون الضمير في « سيغلبون ويحشرون » لكفار قريش ، ويراد بالذين كفروا اليهود ، والمعنى : قل لليهود : ستغلب قريش . وهذا إنما يتجه على قراءة الغيبة فقط .
قال مكيّ : « ويقوّي القراءة بالياء - أي من تحت - إجماعهم على الياء في قوله :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
[ الأنفال : 38 ] ، والتاء يعني من فوق أحبّ إليّ ، لإجماع الحرميّين « 3 » وعاصم وغيرهم على ذلك » .
قال شهاب الدين « 4 » : ومثل إجماعهم على قوله :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا
[ الأنفال : 38 ] إجماعهم على قوله :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا
[ النور : 30 ] ، وقوله :
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ
[ الجاثية : 14 ] ، وقال الفرّاء : « من قرأ بالتاء جعل
هامش
( 1 ) انظر : السبعة 201 ، والكشف 1 / 335 ، والحجة 3 / 17 ، وحجة القراءات 153 ، والعنوان 78 ، وإعراب القراءات 1 / 108 ، وشرح شعلة 308 ، وشرح الطيبة 4 / 146 ، وإتحاف 1 / 469 .
( 2 ) ينظر معاني القرآن 1 / 191 .
( 3 ) الحرميان هما الإمامان نافع وابن كثير رحمهما اللّه تعالى .
( 4 ) ينظر : الدر المصون 2 / 24 .