تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
فإن قيل : قال اللّه تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
[ الذاريات : 22 ] ، وأراد بالذي وعدنا الجنة ، وإذا كانت الجنة في السماء ، فكيف يكون عرضها السماوات والأرض . فالجواب : أن باب الجنة في السماء ، وعرضها كما أخبر . وقيل : إن الجنة والنار تخلقان بعد قيام الساعة ، فعلى هذا لا يبعد أن تخلق الجنة في مكان السماوات ، والنار في مكان الأرض . قوله :
أُعِدَّتْ
يجوز أن يكون محلها الجرّ ، صفة ثانية ل « جنّة » ، ويجوز أن يكون محلها النصب على الحال من « جنّة » ؛ لأنها لما وصفت تخصّصت ، فقربت من المعارف . قال أبو حيان : « ويجوز أن يكون مستأنفا ، ولا يجوز أن يكون حالا من المضاف إليه ؛ لثلاثة أشياء : أحدها : أنه لا عامل ، وما جاء من ذلك متأوّل على ضعفه . والثاني : أن العرض - هنا - لا يراد به : المصدر الحقيقي ، بل يراد به : المسافة . الثالث : أن ذلك يلزم منه الفصل بين الحال ، وصاحبه بالخبر » . يعني بالخبر : قوله :
السَّماواتُ ،
وهو ردّ صحيح . وظاهر الآية يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن ، وهو نص حديث الإسراء في الصحيحين وغيرهما . وقالت المعتزلة : إن الجنة والنار غير مخلوقتين في وقتنا هذا ، وإن اللّه تعالى إذا طوى السماوات والأرض ابتدأ خلق الجنة والنار حيث شاء ؛ لأنهما دار جزاء بالثواب والعقاب ، فخلقتا في وقت الجزاء ؛ لأنه لا يجتمع دار التكليف ، ودار الجزاء في الدنيا ، كما لم يجتمعا في الآخرة . وقال ابن فورك : « الجنة في السماء ، ويزاد فيها يوم القيامة » . قوله :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
يجوز في محله الألقاب الثلاثة ، فالجر على النعت ، أو البدل ، أو البيان ، والنصب والرفع على القطع المشعر بالمدح ، ولما أخبر بأن الجنة معدّة للمتقين وصفهم بصفات ثلاث ، حتى يقتدى بهم في تلك الصفات : فالصفة الأولى : قوله :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ .
فقيل : معناه : في العسر واليسر « 1 » . وقيل : سواء كانوا في سرور ، أو حزن ، أو في عسر ، أو في يسر . وقيل : سواء سرهم ذلك الإنفاق - بأن كان على وفق طبعهم - أو ساءهم - بأن كان على خلاف طبعهم - فإنهم لا يتركونه .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 214 ) عن ابن عباس .