تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
ولدا من امرأة أخرى ، فقوله :
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
معناه : كيف تعطيني الولد ؟ فسأل عن الكيفية على القسم الأول ، أمّا على القسم الثاني فقال مستفهما لا شاكا . قاله الحسن والأصمّ . وثانيهما : أن من كان آيسا من الشيء مستبعدا لحصوله ووقوعه ، إذا اتفق أن حصل له ذلك المقصود ، فربما صار كالمدهوش من شدة الفرح ، ويقول : كيف حصل هذا ؟ ومن أين وقع ؟ كمن يرى إنسانا وهب أموالا عظيمة ، يقول : كيف وهب هذه الأموال ؟ ومن أين سمحت نفسك بهبتها . كذا هنا . الثالث : أن الملائكة لما بشّروه بيحيى ، لم يعلم أنه يرزق الولد من جهة أنثى ، أو من صلبه ، فذكر هذا الكلام ليزول ذلك الاحتمال . الرابع : أن العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء يطلب من السيد ، ثم إن السيد يعده بأنه سيعطيه ، فعند ذلك يلتذّ السائل بسماع ذلك ، فربما أعاد السؤال ؛ ليعيد ذلك الجواب ، فحينئذ يلتذ بسماع تلك الإجابة مرة أخرى ، فيحتمل أن يكون هذا هو السبب في إعادة هذا الكلام . الخامس : نقل عن سفيان بن عيينة قال : كان دعاؤه قبل البشارة بستين سنة حتى كان نسي ذلك السؤال وقت البشارة ، فلما سمع البشارة - زمان الشيخوخة - استبعد ذلك - على مجرى العادة لا شكّا في قدرة اللّه - تعالى - . السادس : قال عكرمة والسّدّيّ : إنّ زكريا - عليه السلام - جاءه الشيطان عند سماع البشارة ، فقال يا زكريا إن هذا الصوت من الشيطان - وقد سخر منك - ولو كان من اللّه لأوحاه إليك كما يوحي إليك في سائر الأمور « 1 » ، فقال زكريا ذلك ؛ دفعا للوسوسة ، ومقصوده من هذا الكلام أن يريه اللّه آية تدل على أن ذلك الكلام من الوحي والملائكة لا من إلقاء الشيطان . قال القرطبي : لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشياطين عند الأنبياء عليهم السلام ؛ إذ لو جوّزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كل الشرائع . ويمكن أن يجاب بأنه لمّا قامت المعجزات على صدق الوحي في كل ما يتعلق بالدين لا جرم حصل الوثوق هناك بأن الوحي من اللّه بواسطة الملائكة ، ولا مدخل للشيطان فيه ، أمّا ما يتعلق بمصالح الدنيا أو الولد ، فربما لا يتأكد ذلك بالمعجزات . فلا جرم [ بقي احتمال كون ذلك الكلام من الشيطان ] « 2 » ، فرجع إلى اللّه - تعالى - في أن يزيل عن خاطره ذلك الاحتمال .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 386 ) عن عكرمة وأخرجه الطبري ( 6 / 386 ) وابن أبي حاتم كما في « الدر المنثور » ( 2 / 40 ) عن السدي . ( 2 ) سقط في أ .