تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥

[ فصل في احتجاج العلماء على صحة القول بكرامات الأولياء بهذه الآية ]

فصل قال الرّبيع بن أنس : إن زكريا كان إذا خرج من عندها غلق عليها سبعة أبواب ، فإذا دخل عليها غرفتها وجد عندها رزقا - أي : فاكهة في غير حينها - فاكهة الصّيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف ، فيقول يا مريم ، أنى لك هذا « 1 » ؟ قال أبو عبيدة : معناه من أين لك هذا ، وأنكر بعضهم عليه وقال : معناه من أي جهة لك هذا ؛ لأن أنّى للسؤال عن الجهة ، وأين للسؤال عن المكان . فصل احتجوا على صحة القول بكرامات الأولياء بهذه الآية ؛ فإنّ حصول الرزق عندها إمّا أن يكون خارقا للعادة أو لا يكون ، فإن كان غير خارق للعادة ، فذلك باطل من خمسة أوجه : الأول : أنه على هذا التقدير لا يكون ذلك الرزق عند مريم دليلا على علوّ شأنها ، وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصّيّة ، وهو المعنى المراد من الآية . الثاني : قوله :
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ
والقرآن دلّ على أنه كان آيسا من الولد ؛ بسبب شيخوخته وشيخوخة زوجته ، فلما رأى خرق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد ، فيستقيم قوله :
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ .
ولو كان الذي شاهده في حق مريم غير خارق لم تكن مشاهدة ذلك سببا لطمعه في انخراق العادة له بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر . الثالث : تنكير الرزق في قوله : « رزقا » فإنه يدل على تعظيم حال ذلك الرزق كأنه قيل : رزق وإنه رزق عجيب فلولا أنه خارق للعادة لم يفد الغرض اللائق بسياق الآية . الرابع : أنه - تعالى - قال :
وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 31 ] ولولا أنه ظهر عليها الخوارق وإلا لم يصح ذلك . الخامس : تواتر الروايات على أن زكريا - عليه السلام - كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف فثبت أن الذي ظهر في حق مريم عليها الصلاة والسلام كان خارقا للعادة ، وإذا ثبت ذلك فنقول : إمّا أنه كان معجزة لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك ، والأول باطل ؛ لأن النبيّ الموجود في ذلك الزمان زكريا - عليه السلام - ولو كان ذلك معجزة له لكان عالما بحاله ، ولم يشتبه أمره عليه ، ولم يقل ل « مريم » أنّى لك هذا ؟ وأيضا فقوله
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ
مشعر بأنه لما سألها ذكرت له أن ذلك من عند اللّه ، فهنالك طمع في انخراق العادة في حصول الولد من المرأة الشيخة
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 355 ) عن الربيع بن أنس .