تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
بالوعيد على أن يصير الباطن موافقا للظاهر - في وقت التقية - ؛ لئلا يجرّه ذلك الظاهر إلى الموالاة في الباطن ، فبيّن - تعالى - أن علمه بالظاهر كعلمه بالباطن . فإن قيل : قوله :
إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ
شرط ، وقوله :
يَعْلَمْهُ اللَّهُ
جزاء ، ولا شك أن الجزاء مترتّب على الشرط ، متأخرّ عنه ، فهذا يقتضي حدوث علم اللّه تعالى . فالجواب : أن تعلق علم اللّه بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن ، وهذا التجدّد إنما يعرض في النّسب ، والإضافات ، والتعلّقات ، لا في حقيقة العلم . فإن قيل : إن محل البواعث والضمائر هو القلب ، فلم قال :
إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ
ولم يقل : « ما في قلوبكم » ؟ فالجواب : لأن القلب في الصدر ، فجاز إقامة الصدر مقام القلب ، كما قال :
يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
[ الناس : 5 ] .

[ فصل في قوله : « قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ

» ] فصل قوله :
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ
قلوبكم ، من مودة الكفار وموالاتهم
أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ .
وقال الكلبيّ : إن تسرّوا ما في قلوبكم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من التكذيب ، أو تظهروه ، لحربه وقتاله يعلمه اللّه ، ويجازكم عليه . قوله : « ويعلم » مستأنف ، وليس منسوقا على جواب الشرط ؛ لأن علمه بما في السماوات وما في الأرض غير متوقّف على شرط ، فلذلك جيء مستأنفا ، وقوله :
وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
من باب ذكر العام بعد الخاص .
ما فِي صُدُورِكُمْ ،
وقدّم - هنا - الإخفاء على الإبداء وجعل محلهما الصدور ، بخلاف آية البقرة - فإنه قدّم فيها الإبداء على الإخفاء ، وجعل محلهما النفس ، وجعل جواب الشرط المحاسبة ؛ تفنّنا في البلاغة ، وذكر ذلك للتحذير ؛ لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فكيف يخفى عليه الضمير ؟ قوله :
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وهو تمام التحذير ؛ لأنه إذا كان قادرا على جميع المقدورات كان - لا محالة - قادرا على إيصال حق كل أحد إليه ، فيكون هذا تمام الوعد ، والوعيد ، والترغيب ، والترهيب . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 30 ]

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 30 ) في ناصب « يوم » أوجه : أحدها : أنه منصوب ب « قدير » ، أي : قدير في ذلك اليوم العظيم ، لا يقال : يلزم