تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
وهم أعزّ وأمنع من ذلك - ! ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم ؟ فأنزل اللّه - تعالى - هذه الآية « 1 » . وثانيها : روي أنه - عليه السلام - لما خطّ الخندق عام الأحزاب « 2 » ، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا وأخذوا يحفرون ، خرج من وسط الخندق صخرة كالتل العظيم ، لم تعمل فيها المعاول . فوجهوا سلمان إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخذ المعول من سلمان ، فلما ضربها صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها ، كأنه مصباح في جوف ليل مظلم ، فكبر ، وكبر المسلمون ، وقال عليه السلام : أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب ، ثم ضرب الثانية فقال : أضاءت لي منها قصور صنعاء ، ثم ضرب الثالثة فقال : أخبرني جبريل - عليه السلام - أن أمتي ظاهرة على كلها ، فأبشروا ، فقال المنافقون : ألا تعجبوا من نبيكم ، يعدكم الباطل ، يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ، ومدائن كسرى ، وأنها تفتح لكم ، وأنتم تحفرون الخندق من الخوف لا تستطيعون أن تخرجوا ، فنزلت هذه الآية « 3 » . وثالثها : قال الحسن : إن اللّه - تعالى - أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ، ويردّ ذل العرب عليهما ، وأمره بذلك دليل على أنه يستجيب له هذا الدعاء ، وهكذا منازل الأنبياء - إذا أمروا بدعاء استجيب دعاؤهم « 4 » . وقيل : نزلت دامغة لنصارى نجران ، في قولهم : إن عيسى هو اللّه ، وذلك أن هذه الأوصاف تبين - لكل صحيح الفطرة - أن عيسى ليس فيه شيء منها . قال ابن إسحاق : أعلم اللّه - تعالى - في هذه الآية - بعنادهم وكفرهم ، وأن عيسى
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 300 ) عن قتادة وانظر تفسير الفخر الرازي ( 8 / 4 ) . ( 2 ) غزوة الخندق : في شوال سنة خمس من الهجرة خرجت قريش وغطفان في عشرة آلاف مقاتل ، بعد أن دفعهم نفر من اليهود إلى ذلك ، وما أن علم الرسول بخروجهم ، حتى ضرب الخندق على المدينة بمشورة سلمان الفارسي ، وأقبلت قريش ، ومن تبعها « من كنانة » وأهل « تهامة » ، حتى نزلت بمجتمع الأسيال ، ونزلت غطفان ، ومن تبعهم بجانب أحد ، وخرج الرسول عليه السلام في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فجعل ظهره إلى سهل « سلع » ، وضرب هنا لك عسكره ، والخندق بينه وبين القوم ، وانضم بنو قريظة إلى جيش الأحلاف ، فعظم بذلك البلاء على المسلمين ، وبينما المسلمون على ذلك ؛ إذا بالخلاف يدبّ بين جيش الكفار بوساطة « نعيم بن مسعود الغطفاني » ، وتهبّ عاصفة شديدة فتقتلع الخيام ، وتقلب قدور الطعام ، وتهدم المعكسر ، فيرتحلون جميعا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، ويكفي اللّه المؤمنين شر القتال . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 5 / 186 ) وعزاه لابن سعد وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي في « الدلائل » من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده . ( 4 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 8 / 4 - 5 ) عن الحسن .