تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
الشرط وحده ، أو الجواب وحده ، أو كلاهما - وعلى القول بكونه الجواب وحده لا بد من ضمير مقدّر ، أي : سريع الحساب له .

[ فصل في التهديد بالحساب ]

فصل وهذا تهديد ، وفيه وجهان : الأول : المعنى : فإنه سيصير إلى اللّه تعالى سريعا ، فيحاسبه ، أي : يجازيه على كفره . الثاني : أن اللّه تعالى سيعلمه بأعماله ومعاصيه وأنواع كفره ، بإحصاء سريع ، مع كثرة الأعمال . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 20 ]

فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 )
فَإِنْ حَاجُّوكَ
أي : خاصموك يا محمد في الدين بالأقاويل المزوّرة ، والمغالطات ، فأسند أمرك إلى ما كلّفت به من الإيمان والتبليغ ، وعلى اللّه نصرك وذلك أن اليهود والنصارى قالوا : لسنا على ما سميتنا به يا محمد ، إنما اليهودية والنصرانية نسب ، والدين هو الإسلام ، ونحن عليه ، فقال اللّه تعالى -
فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ
أي : انقدت للّه وحده ، وإنما خص الوجه ؛ لأنه أكرم جوارح الإنسان . وقال الفرّاء : معناه : أخلصت عملي للّه . وفي كيفية إيراد هذا الكلام وجوه : أحدها : أنه - عليه السلام - كان قد أظهر لهم الحجة - على صدقه - قبل نزول هذه الآية - مرارا ، فإن هذه السورة مدنية ، وكان قد أظهر لهم المعجزات بالقرآن ، ودعاء الشجرة ، وكلام الذئب ، وغيرها مما يدل على صحة دينه ، وذكر الحجة على فساد قول النصارى بقوله « الحي القيوم » ، وأجاب عن شبه القوم بأسرها ، ومشاهدة يوم بدر وأثبت التوحيد ، ونفى الضدّ والندّ والصاحبة والولد بقوله :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ،
وبين - تعالى - أن إعراضهم عن الحق إنما كان بغيا وحسدا ، فلما لم يبق حجة على فرق الكفار إلا أقامها ، قال بعده :
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ
وهذه عادة المحقّ مع المبطل ، إذا أورد عليه حجّة بعد حجّة ، ولم يرجع إليه ، فقد يقول - في آخر الأمر - : أما أنا فمنقاد للحق ، فإن وافقتم ، واتبعتم الحق الذي أنا عليه ، فقد اهتديتم ، وإن اعترضتم ، فاللّه بالمرصاد . ثانيها : أن القوم كانوا مقرّين بوجود الصانع ، وكونه مستحقا للعبادة ، فكأنه - عليه السلام - قال لهم : هذا القدر متفق عليه بين الكلّ ، فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه ، وداعي الخلق إليه ، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك ، وأنتم المدعون فعليكم الإثبات ،