تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
« ومن بين أبنائنا » كذا قدره أبو البقاء « 1 » . وقيل : إنّ هذا على القلب ، والأصل : وقد أخرج أبناؤنا منا ، ولا حاجة إلى هذا . قوله تعالى :
« فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا »
، فاعلم أن في الكلام محذوفا تقديره : فسألوا اللّه تعالى ذلك فبعث لهم ملكا وكتب عليهم القتال فتولوا . قوله : « إلّا قليلا » نصب على الاستثناء المتصل من فاعل « تولّوا » فإن قيل المستثنى لا يكون مبهما ، لو قلت : « قام القوم لا رجالا » لم يصحّ ، فالجواب إنما صحّ هذا لأنّ « قليلا » في الحقيقة صفة لمحذوف ، ولأنه قد تخصّص بوصفه بقوله : « منهم » ، فقرب من الاختصاص بذلك . وقرأ أبي « 2 » : « إلّا أن يكون قليل منهم » وهو استثناء منقطع ، لأنّ الكون معنى من المعاني والمستثنى منه جثث . ولا بدّ من بيان هذه المسألة لكثرة فائدتها . وذلك أنّ العرب تقول : « قام القوم إلا أن يكون زيد وزيدا » بالرفع والنصب ، فالرفع على جعل « كان » تامة ، و « زيد » فاعل ، والنصب على جعلها ناقصة ، و « زيدا » خبرها ، واسمها ضمير عائد على اليعض المفهوم من قوة الكلام ، والتقدير : قام القوم إلا أن يكون هو - أي بعضهم - زيدا ، والمعنى : قام القوم إلا كون زيد في القائمين ، وإذا انتفى كونه قائما انتفى قيامه ، فلا فرق من حيث المعنى بين العبارتين ، أعني « قام القوم إلا زيدا » و « قاموا إلا أن يكون زيدا » ، إلا أن الأول استثناء متصل ، والثاني منقطع لما قررناه .

فصل [ في وجه تعلق هذه الآية بما قبلها ]

وجه تعلّق هذه الآية بما قبلها أنّه تعالى لما فرض القتال بقوله :
« وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ »
، ثمّ أمر بالإنفاق فيه بقوله :
« مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ »
ذكر بعد ذلك هذه القصة تحريضا على عدم تركهم مخالفة الأمر بالقتال ، فإنّهم لما أمروا تولّوا ، وخالفوا ؛ فذمهم اللّه تعالى ونسبهم إلى الظّلم بقوله :
« وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ »
والمراد التّرغيب في الجهاد .

فصل فيمن هو النبي الذي نادى بالبعث في الآية

اختلفوا في ذلك النبيّ الذي قالوا له
« ابْعَثْ لَنا مَلِكاً »
من هو فقال قتادة : هو يوشع ابن نون بن أفرائيم بن يوسف لقوله تعالى :
« مِنْ بَعْدِ مُوسى »
« 3 » وهذا ضعيف ؛ لأنّ قوله
« مِنْ بَعْدِ مُوسى »
كما لا يحتمل الاتصال بالتّعاقب يحتمل البعديّة بغير تعاقب ، وإن كان
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 293 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 559 ) وعزاه لعبد الرزاق عن قتادة . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 292 - 293 ) عن السدي . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 294 - 295 - 296 - 297 ) . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 557 - 558 - 559 ) وزاد نسبته لابن إسحق .