تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
وقال سفيان الثوري : إتمامهما : أن تخرج « 1 » من أهلك لهما ؛ لا لتجارة ، ولا لحاجة أخرى « 2 » . قال عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - الوفد كثير ، والحاجّ قليل « 3 » .

فصل في اختلافهم في وجوب العمرة

اتّفقت الأمّة على وجوب الحج ، على من استطاع إليه سبيلا ، واختلفوا في وجوب العمرة ؛ فذهب أكثر العلماء إلى وجوبها ؛ وهو قول عمر ، وعليّ ، وابن عمر ، ورواه عكرمة عن ابن عباس ، قال : واللّه إنّ العمرة لقرينة الحجّ « 4 » في كتاب اللّه تعالى :
« وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ »
وبه قال عطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة وسعيد بن جبير ، وإليه ذهب الثوريّ ، وأحمد ، والشافعيّ ، في أصحّ قوليه . وذهب قوم إلى أنها سنّة ، وهو قول جابر ، وبه قال الشعبيّ ، وإليه ذهب مالك ، وأبو حنيفة ، رضي اللّه عنهم أجمعين . حجة القول الأوّل أدلة منها : قوله تعالى :
« وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ »
والإتمام قد يراد به فعل الشيء كاملا تاما ؛ بدليل قوله سبحانه وتعالى :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
[ البقرة : 124 ] أي : فعلهنّ على التمام ، والكمال ، وقوله :
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
[ البقرة : 187 ] ، أي : فافعلوا الصيام تاما إلى الليل . فإن قيل يحتمل أن يكون المراد أنكم إذا شرعتم فيهما ، فأتموههما ؛ لأنّها تدلّ على أصل الوجوب ؛ لأنّا إنما استفدنا الوجوب من قوله تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
[ آل عمران : 97 ] ، لا من هذه الآية ، وكذا قوله :
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
[ البقرة : 187 ] إنّما استفدنا وجوب الصوم من قوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
[ البقرة : 183 ] لا من قوله :
« ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ »
والحجّ والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما ، سواء أكانا فرضا ، أو تطوّعا « 5 » ، وتقول : الصوم خرج بدليل ، أو تقول : وجب
هامش
( 1 ) في ب : نحج . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 166 . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 166 . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 166 . ( 5 ) ولا يجب إتمام المندوب بالشروع فيه ، فلا يجب قضاؤه على من تركه بعد شروعه فيه ، إلا الحج والعمرة المندوبان ، خلافا لأبي حنيفة ؛ الذي يرى وجوب إتمامه بحيث لو تركه بعد الشروع فيه ، وجب عليه قضاؤه . استدل الأوّلون بما يأتي : ترك إتمام المندوب المبطل لما فعل منه ترك له ، وتركه جائز ، فترك إتمام المندوب المبطل لما فعل منه جائز ؛ وهو المطلوب . أما الصغرى فمسلّمة . وأما الكبرى : فلأن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وكل أمر المتلبس بصوم التطوع إلى نفسه ، وخيّره بين الإتمام -