تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
فإن قيل : ما الحكمة في عدوله عن قوله :
« وَاللَّهُ عَلِيمٌ » *
إلى
« وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ »
. فالجواب : أن نفي النقائص وسلبها عن صفات اللّه - تعالى - أكمل من ذكر الصفات مجردة عن ذكر نفي نقيضها ، فإن نفي النقيض يستلزم إثبات النقيض وزيادة ، والإثبات لا يستلزم نفي النقيض ؛ لأن العليم قد يفضل عن النقيض ، فلما قال اللّه تعالى :
« وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ »
دلّ ذلك على أنه عالم ، وعلى أنه غير غافل ، وذلك أبلغ في الزجر المقصود من الآية . فإن قيل : قد قال تعالى في موضع آخر :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ
[ يوسف : 19 ] . فالجواب : أن ذلك سيق لمجرد الإعلام بالقصّة لا للزجر ، بخلاف هذه الآية ، فإن المقصود بها الزجر والتهديد . قوله تعالى :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 141 ]

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 141 ) اعلم أنه - تعالى - لما حاجّ اليهود في هؤلاء الأنبياء عقبه بهذه الآية ليكون وعظا لهم ، وزجرا حتى لا يتّكلوا على فضل الآباء ، فكلّ واحد يؤخذ بعمله . وأيضا أنه تعالى لما ذكر حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك ، بل كل إنسان مسؤول عن عمله ، ولا عذر له في ترك الحق بأن يتوهم أنه متمسّك بطريقة من تقدم ؛ لأنهم أصابوا أو أخطئوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد . فإن قيل : لم كررت هذه الآية ؟ فالجواب من وجهين : الأول : قال الجبّائي : إنه عنى بالآية الأولى إبراهيم ، ومن ذكر معه ، والثانية أسلاف اليهود . قال القاضي : هذا بعيد ؛ لأن أسلاف اليهود والنصارى لم يجر لهم ذكر مصرح ، وموضع الشبهة في هذا القول أن القوم لما قالوا في إبراهيم وبنيه : إنهم كانوا هودا ، فكأنهم قالوا : إنهم كانوا على مثل طريقة أسلافنا من اليهود ، فصار سلفهم في حكم المذكورين فجاز أن يقول :
« تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ »
ويعنيهم ولكن ذلك كالتعسّف ، بل المذكور السابق هو إبراهيم وبنوه ، فقوله :
« تِلْكَ أُمَّةٌ »
يجب أن يكون عائدا إليهم . الوجه الثاني : أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن لم يكن التّكرار عبثا ، فكأنه - تعالى - قال : ما هذا إلا بشر ، فوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ التقليد في هذا [ الجنس ] « 1 » ، فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة ، فلها ما كسبت ،
هامش
( 1 ) في أ : الدين .