تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
قوله تعالى :
« اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً »
والجعل هنا يعني التّصيير ، فيتعدّى لاثنين ف « هذا » مفعول أول و « بلدا » مفعول ثان ، والمعنى : اجعل هذا البلد ، أو هذا المكان ، و « آمنا » صفة أي ذا أمن نحو :
عِيشَةٍ راضِيَةٍ
[ الحاقة : 21 ] أو آمنا من فيه نحو : ليله نائم . والبلد معروف ، وفي تسميته قولان : أحدهما : أنه مأخوذ من البلد . والبلد في الأصل : الصدر يقال : وضعت الناقة بلدتها إذا بركت ، أي : صدرها ، والبلد صدر القرى ، فسمي بذلك . والثاني : أن البلد في الأصل الأثر ، ومنه : رجل بليد لتأثير الجهل فيه . وقيل لبركة البعير : « بلدة » لتأثيرها في الأرض إذا برك ، ؛ قال الشاعر : [ الطويل ]
783 - أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة * قليل بها الأصوات إلّا بغامها « 1 »
إنما قال في هذه السورة « بلدا آمنا » على التنكير . وقال في سورة إبراهيم :
هَذَا الْبَلَدَ آمِناً
[ إبراهيم : 35 ] على التعريف لوجهين : الأول : أن الدعوة الأولى وقعت ، ولم يكن المكان قد جعل بلدا ، كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلدا آمنا ؛ لأنه - تعالى - حكى عنه أنه قال :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
[ إبراهيم : 37 ] . فقال هاهنا اجعل هذا الوادي بلدا آمنا ، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا ، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيّرته بلدا ذا أمن وسلامة ، كقولك : جعلت هذا الرجل آمنا . الثاني : أن يكون الدعوتان وقعتا بعدما صار المكان بلدا ، فقوله :
« اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً »
تقديره : اجعل هذا البلد بلدا آمنا ، كقولك : كان اليوم يوما حارّا ، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ؛ لأن التنكير يدلّ على المبالغة ، فقوله :
« رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً »
معناه : اجعله من البلدان الكاملة في الأمن ، وأما قوله :
« رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً »
فليس فيه إلّا طلب الأمن لا طلب المبالغة ، واللّه أعلم .

فصل في المراد بدعاء سيدنا إبراهيم

قيل : المراد من الآية دعاء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - للمؤمنين من سكّان
هامش
( 1 ) البيت لذي الرمة ينظر ديوانه : ص 104 ، وخزانة الأدب : 3 / 418 ، 420 ، والدرر : 3 / 168 ، وشرح شواهد الإيضاح : ص 242 ، والكتاب : 2 / 332 ، ولسان العرب ( بلد ) ، ( بغم ) ، وشرح الأشموني : 1 / 234 ، وشرح شواهد المغني : 1 / 218 ، 394 ، 2 / 729 ، ومغني اللبيب : 1 / 72 ، والمقتضب : 4 / 409 ، وهمع الهوامع : 1 / 229 ، والدر المصون : 1 / 366 .