الاحتيال حتى يبذلا له النّصيحة فيقولا له :
« إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ »
أي : هذا الذي نصفه لك ، وإن كان الغرض منه أن يتميز به الفرق بين السحر عن المعجزة ، ولكنه يمكنك أن تتوصّل به إلى المفاسد والمعاصي ، فإياك أن تستعمله فيما نهيت عنه ، أو تتوصل به إلى شيء من الأعراض العاجلة .
قوله تعالى :
« فَيَتَعَلَّمُونَ »
في هذه الجملة سبعة أقوال :
أظهرها : أنها معطوفة على قوله تعالى :
« وَما يُعَلِّمانِ »
والضمير في « فيتعلّمون » عائد على « أحد » ، وجمع حملا على المعنى ، كقوله تعالى :
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ
[ الحاقة : 47 ] .
فإن قيل : المعطوف عليه منفي ، فيلزم أن يكون « فيتعلّمون » منفيا أيضا لعطفه عليه ، وحينئذ ينعكس المعنى . فالجواب ما قالوه ، وهو أن قوله :
« ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا »
، وإن كان منفيا لفظا فهو موجب معنى ؛ لأن المعنى : يعلمان الناس السحر بعد قولهما : إنما نحن فتنة ، وهذا الوجه ذكره الزجاج وغيره .
الثّاني : أنه معطوف على
« يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ »
قاله الفراء .
وقد اعترض الزجاج هذا القول بسبب لفظ الجمع في « يعلمون » مع إتيانه بضمير التثنية في « منهما » يعني : فكان حقه أن يقال : « منهم » لأجل « يعلمون » وأجازه [ أبو علي ] « 1 » وغيره ، وقالوا : لا يمتنع عطف « فيتعلمون » على « يعلّمون » ، وإن كان التعليم من الملكين خاصّة ، والضمير في « منهما » راجع إليهما ، فإن قوله : « منهما » إنما جاء بعد تقدّم ذكر الملكين .
وقد اعترض على قول الفراء من وجه آخر : وهو أنه يلزم منه الإضمار قبل الذكر ، وذلك أن الضمير في « منهما » عائد على الملكين ، وقد فرضتم أن
« فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما »
عطف على « يعلمون » ، [ فيكون التقدير : « يعلّمون النّاس السّحر فيتعلّمون منهما » ] « 2 » فيلزم الإضمار في « منهما » قبل ذكر الملكين ، وهو اعتراض واه فإنهما متقدمان لفظا ، وتقدير تأخرهما لا يضرّ ؛ إذ المحذور عود الضمير على غير مذكور في اللفظ .
الثالث : وهو أحد قولي سيبويه أنه عطف على « كفروا » ، فعل في موضع رفع ، فلذلك عطف عليه فعل مرفوع .
قال سيبويه : [ وارتفع ] « 3 » « فيتعلمون » ؛ لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا : لا تكفر فيتعلموا ليجعلا كفره سببا لتعلم غيره ، ولكنه على : كفروا فيتعلمون ، وشرح ما قاله هو أنه يريد أن ليس « فيتعلمون » جوابا لقوله : فلا تكفر فينتصب في جواب النهي ، كما انتصب :
فَيُسْحِتَكُمْ
[ طه : 61 ] ، بعد قوله :
« لا تَفْتَرُوا »
لأن كفر من نهياه أن يكفر ليس
هامش
( 1 ) في ب : أبو البقاء .
( 2 ) سقط في أ .
( 3 ) في ب : وارتفعت .