تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ، ولهذا قال اللّه تعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
[ الأنعام : 9 ] ولا جائز أن يكون مبعوثا إلى البشر ، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حوّاء ، وحواء ما عرفت التكليف إلا بواسطة آدم لقوله تعالى :
وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ
[ البقرة : 35 ] شافههما بهذا التكليف ، وما جعل آدم واسطة ، ولا جائز أن يكون مبعوثا إلى الجن ؛ لأنه ما كان في السماء أحد من الجنّ ، ولا جائز أيضا أن يكون مبعوثا إلى أحد ، لأن المقصود من جعله رسولا التبليغ ، فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولا فائدة . وثالثها : قوله تعالى :
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ
[ طه : 122 ] دليل على أنه إنما اجتباه ربه بعد الزّلة ، فوجب أن يكون قبل الزّلة غير مجتبى ، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبى وجب ألا يكون رسولا ؛ لأن الاجتباء والرسالة متلازمان ، لأن الاجتباء لا معنى له إلّا التخصيص بأنواع التشريفات ، وكل من جعله اللّه رسولا ، فقد خصّه بذلك لقوله تعالى :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام : 124 ] . قوله :
« ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ »
. « ثم » : حرف للتّراخي كما تقدّم ، والضّمير في « عرضهم » للمسميات المقدّرة ، أو لإطلاق الأسماء وإرادة المسميات ، كما تقدم . وقيل : يعود على الأسماء . ونقل عن ابن عباس ، ويؤيده قراءة أبيّ « 1 » « عرضها » ، وقراءة « 2 » ابن مسعود « 3 » : « عرضهنّ » إلا أن في هذا القول جعل ضمير غير العقلاء كضمير العقلاء أو نقول : إنما قال ابن عباس ذلك بناء منه أنه أطلق الأسماء ، وأراد المسميات كما تقدم وهو واضح . و « على الملائكة » متعلّق ب « عرضهم » . قال ابن مسعود وغيره : عرض الأشخاص ، لقوله تعالى :
« عَرَضَهُمْ »
وقوله :
« أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ »
. وفي الحديث : « إنّه عرضهم أمثال الذّرّ » « 4 » .
هامش
( 1 ) انظر الشواذ : 14 ، والمحرر الوجيز : 1 / 120 ، والبحر المحيط : 1 / 296 ، والدر المصون : 1 / 182 ، والقرطبي : 1 / 195 . ( 2 ) في ب : ومن حرف . ( 3 ) ينظر تخريج القراءة السابقة . ( 4 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 179 عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال : « يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر ، في صور الناس ، يعلوهم كل شيء من الصغار ، حتى يدخلوا سجنا في جهنم ، يقال له : بولس فتعلوهم نار الأنيار ، ويسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار » .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 518 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب