تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢

فصل في الرد على المعتزلة

قال المعتزلة : هذه الآية تدلّ على أن الكفر من قبل العباد من وجوه : أحدها : أنه - تعالى - لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول : « كيف تكفرون باللّه » موبخا لهم ، كما لا يجوز أن يقول : كيف تسودّون وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك كله من خلقه فيهم . وثانيها : إذا كان خلقهم أولا للشقاء والنار ، وما أراد بخلقهم إلّا الكفر « 1 » وإرادة الوقوع في النّار ، فكيف يصح أن يقول موبخا لهم : « كيف تكفرون » ؟ . وثالثها : أنه - تعالى - إذا قال للعبيد كيف تكفرون باللّه ، فهذا الكلام إما أن يكون موجها للحجّة على العبد ، وطلبا للجواب منه ، أوليس كذلك ، فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة ، فيكون هذا الخطاب عبثا ، وإن ذكره لتوجيه الحجّة على العبد ، فللعبد أن يقول : حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر . فالأول : أنك علمت بالكفر منّي ، والعلم بالكفر يوجب الكفر . والثاني : أنك أردت الكفر مني ، وهذه الإرادة موجبة له . والرابع : أنك خلقت فيّ قدرة موجبة للكفر . والخامس : أنك خلقت فيّ إرادة موجبة للكفر . والسادس : أنك خلقت فيّ قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر . ثم لما حصلت هذه الأسباب السّتة في حصول الكفر ، فالإيمان متوقّف على حصول هذه الأسباب السّتة في طرف الإيمان ، وهي بأسرها كانت مفقودة ، فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سببا واحد منها مستقل [ بالمنع من الإيمان ] « 2 » ومع قيام هذه الأسباب الكثيرة كيف يعقل أن يقال : كيف تكفرون باللّه ؟ وآيات أخر تأتي في مواضعها إن شاء اللّه تعالى . والجواب عن هذا أنّ اللّه - سبحانه - علم أنه لا يكون ، فلو وجد [ لانقلب عليه ] « 3 » جهلا ، وهو محال ، ووقوعه محال ، وأيضا فالقدرة على الكفر إن كانت صالحة للإيمان امتنع كونها مصدرا للإيمان على التعيين إلّا لمرجح ، وذلك المرجّح إن كان من العبد عاد السؤال ، وإن كان من اللّه ، فما لم يحصل ذلك المرجح من اللّه امتنع حصول الكفر ، وإذا حصل ذلك المرجح وجب ، وعلى هذا يعقل قوله : « كيف تكفرون » قاله ابن الخطيب . قوله :
« وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ »
« الواو » : « واو » الحال ، وعلامتها أن يصلح موضعها
هامش
( 1 ) في أ : للكفر . ( 2 ) في أ : بالإيمان . ( 3 ) في أ : ينقلب .