تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
على بدايات الأعراض ، مثاله : أن الحياء حالة تحصل للإنسان ، ولكن لها مبدأ ومنتهى ، أمّا المبدأ فهو التغيّر الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إليه القبيح ، وأمّا النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل ، فإذا ورد الحياء في حقّ اللّه تعالى ، فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته ، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته ، وكذلك الغضب [ له مقدّمة ] « 1 » وهو غليان دم القلب وشهوة الانتقام « 2 » وله « 3 » غاية ، وهي إنزال العقاب بالمغضوب عليه ، فإذا وصفنا اللّه - تعالى - بالغضب ، فليس المراد ذلك المبدأ ، يعني شهوة الانتقام ، وغليان دم القلب ، بل المراد تلك النّهاية ، وهي إنزال العقاب « 4 » ، فهذا هو القانون الكلّي في هذا الباب » .

فصل في تنزيه الخالق سبحانه

قال القاضي : ما لا يجوز على اللّه - تعالى - من هذا الجنس إثباتا ، فيجب ألّا يطلق على طريقة النفي عليه ، وإنّما يقال : إنّه - تعالى - لا يوصف به ، فأمّا أن يقال : « لا يستحي » ويطلق عليه فمحال ؛ لأنّه يوهم نفي ما يجوز عليه ، وما ذكره اللّه - تعالى - في كتابه من قوله :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
[ البقرة : 255 ] ،
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
[ الإخلاص : 3 ] فهو بصورة النفي ، وليس بنفي على الحقيقة ، وكذلك قوله تعالى :
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ
[ المؤمنون : 91 ] ، وكذلك قوله تعالى :
وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ
[ الأنعام : 14 ] وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائز أن يطلق في المخاطبة ، فلا يجوز أن يطلق ذلك إلّا مع بيان أنّ ذلك محال . ولقائل أن يقول : لا شكّ أنّ هذه الصّفات منتفية عن اللّه تعالى ، فكان الإخبار عن انتفائها يدلّ على صحّتها عليه . فنقول : هذه الدلالة ممنوعة ، وذلك أنّ تخصيص هذا النفي بالذكر ، لا يدلّ على ثبوته لغيره ، لو قرن اللّفظ بما يدلّ على انتفاء الصّحّة كان ذلك أحسن ، من حيث إنه يكون مبالغة في البيان ، وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحا .

فصل في إعراب الآية

قوله : « لا يستحيي » جملة في محلّ الرفع خبرا ل « أن » ، واستفعل هنا للإغناء عن الثّلاثي المجرّد . وقال الزمخشري : « إنّه موافق له أي : قد ورد « حيي » ، و « استحيى » بمعنى واحد ، والمشهور : استحيى يستحيي فهو مستحي ومستحيى منه من غير حذف » .
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : الإقدام . ( 3 ) في ب : عليه . ( 4 ) في أ : العذاب .