تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
كانوا متوافقين في إيذاء الرّسول ، وقد مضى من أوّل السّورة إلى هذا الموضع ذكر المنافقين ، واليهود ، والمشركين ، وكلّهم من الّذين كفروا . ثمّ قال القفّال : « وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب ؛ لأنّ معناه مفيد في نفسه » .

فصل في معنى الحياء واشتقاقه

الحياء : تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم « 1 » ، واشتقاقه من الحياة ، ومعناه على ما قال الزمخشري : نقصت حياته ، واعتلت مجازا ، كما يقال : نسي وخشي ، وشظي القوس : إذا اعتلت هذه الأعضاء ، جعل الحييّ لما يعتريه من الانكسار ، والتّغيّر منتكس « 2 » القوة منتقص الحياة كما قالوا : فلان هلك من كذا حياء ، ومات حياء ، وذاب حياء ، يعني بقوله : « نسي وخشي وشظي » أي : أصيب نساه ، وهو « عرق » وحشاه ، وهو ما احتوى عليه البطن ، وشظاه وهو عظم في الورك ، واستعماله هنا في حقّ اللّه - تعالى - مجاز عن التّرك . وقيل : مجاز عن الخشية ؛ لأنّها أيضا من ثمراته ، ورجّحه الطّبريّ ، وجعله الزمخشريّ من باب المقابلة ، يعني أنّ الكفّار لمّا قالوا : أما يستحي ربّ محمد أن يضرب المثل بالمحقّرات ، « قوبل » قولهم ذلك بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا
؛ [ ونظيره قول ] « 3 » أبي تمّام : [ الكامل ]
322 - من مبلغ أفناء يعرب كلّها * أنّي بنيت الجار قبل المنزل « 4 »
لو لم يذكر بناء الدّار لم يصحّ بناء الجار . وقيل : معنى لا يستحيي ، لا يمتنع ، وأصل الاستحياء الانقباض عن الشّيء ، والامتناع منه ؛ خوفا من مواقعة « 5 » القبيح ، وهذا محال على اللّه تعالى ، وفي « صحيح مسلم » عن أم سلمة قالت : « جاءت أم سليم إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : يا رسول اللّه إنّ اللّه لا يستحي من الحقّ » « 6 » المعنى لا يأمر بالحياء فيه ، ولا يمتنع من ذكره . قال ابن الخطيب : « القانون في أمثال هذه الأشياء ، أنّ كلّ صفة ثبتت للعبد مما يختص « 7 » بالأجسام ، فإذا وصف اللّه بذلك ، فذلك محمول على نهايات الأعراض ، لا
هامش
( 1 ) في أ : وقد تقدم . ( 2 ) في أ : منكس . ( 3 ) في ب : ونظيره بقوله . ( 4 ) ينظر البيت في ديوانه : 3 / 47 ، الكشاف : 1 / 113 ، الدر المصون : 1 / 163 . ( 5 ) في أ : موافقة . ( 6 ) أخرجه البخاري : ( 1 / 46 ، 80 ) ومسلم ( 1 / 172 ) والنسائي ( 1 / 42 ) . ( 7 ) في ب : ينتقص .