تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤

فصل في الاستدلال بالآية على الصانع

هذه الآية تدلّ على الصانع القادر الفاعل المختار ، سأل بعض الدهرية الشّافعي - رضي اللّه تعالى عنه - ما الدّليل على الصانع ؟ فقال : ورقة الفرصاد طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم ؟ قالوا : نعم . قال : فتأكلها دودة القزّ فيخرج منها الإبريسم ، ويأكلها النحل فيخرج منها العسل ، والشّاة فيخرج منها البعر ، وتأكلها الظّباء فينعقد في نوافجها المسك ، فمن الذي جعلها لذلك مع أن الطّبع واحد ؟ فاستحسنوا ذلك وآمنوا على يديه ، وكانوا سبعة عشر . وسئل أبو حنيفة - رضي اللّه عنه - عن الصّانع فقال : الوالد يريد الذكر ، فيكون أنثى ، وبالعكس فيدلّ على الصّانع . وتمسك أحمد بن حنبل بقلعة حصينة ملساء لا فرجة فيها ، ظاهرها كالفضّة المذابة ، وباطنها كالذهب الإبريز ، ثم انشقت الجدران ، وخرج من القلعة حيوان سميع بصير ، فلا بدّ من الفاعل ؛ عنى بالقلعة البيضة ، وبالحيوان الفرخ . وقال آخر : عرفت الصّانع بنحلة بأحد طرفيها عسل ، وبالآخر لسع ، والعسل مقلوب لسع . فإن قيل : ما الفائدة في قوله :
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
، وخلق الذين من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة عليهم . والجواب : أن الأمر وإن كان على ما ذكر ولكن علمهم بأن اللّه - تعالى - خلقهم كعلمهم بأنه خلق من قبلهم ؛ لأن طريقة العلم بذلك واحدة . وأيضا أن من قبلهم كالأصول لهم ، وخلق الأصول يجري مجرى الإنعام على الفروع ، كأنه - تعالى - يذكرهم عظيم إنعامه عليهم ، أي : لا تظن أني إنما أنعمت عليك حين وجدت ، بل كنت منعما عليك قبل أن وجدت بألوف سنين ، بسبب أني كنت خالقا لأصولك . فإن قيل : إذا كانت العبادة تقوى فقوله :
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
ما وجهه ؟ والجواب من وجهين : الأول : لا نسلّم أن العبادة نفس التقوى ، بل العبادة فعل يحصل به التقوى ؛ لأن الاتّقاء هو الاحتراز عن المضارّ ، والعبادة فعل المأمور به ، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز ، بل موجب الاحتراز ، فإنه - تعالى - قال :
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
لتحترزوا به عن عقابه . وإذا قيل في نفس الفعل : « إنه اتقاء » ، فذلك غير ما يحصل به الاتقاء ، لكن لما اتصل أحد الأمرين بالآخر أجري اسمه عليه .