تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
والجواب : أنّ « يستهزئ » يفيد حدوث الاستهزاء وتجدّده وقتا بعد وقت ، وهكذا كانت نكايات اللّه فيهم
أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ
[ التوبة : 126 ] . و « الطّغيان » : الضلال مصدر طغى يطغى طغيانا وطغيانا بكسر الطّاء وضمها . وبكسر الطّاء قرأ زيد بن علي « 1 » ، ولام « طغى » قيل : ياء . وقيل : واو ، يقال : طغيت وطغوت ، وأصل المادّة مجاوزة الحدّ ، ومنه : طغى الماء . و « العمة » : التردّد والتحيّر ، وهو قريب من العمى ، إلا أن بينهما عموما وخصوصا ؛ لأن العمى يطلق على ذهاب ضوء العين ، وعلى الخطأ في الرأي ، والعمة لا يطلق إلا على الخطأ في الرأي ، يقال : عمه عمها وعمهانا فهو عمه وعامه .

فصل في الرد على المعتزلة

قالت المعتزلة : هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجوه : أحدها : قوله تعالى :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ
[ الأعراف : 203 ] أضاف ذلك الغيّ إلى إخوانهم ، فكيف يكون مضافا إلى اللّه . وثانيها : أن اللّه - تعالى - ذمّهم على هذا الطغيان ، فلو كان فعلا للّه - تعالى - فكيف يذمهم عليه ؟ وثالثها : لو كان فعلا للّه - تعالى - لبطلت النبوة ، وبطل القرآن ، فكان الاشتغال بتفسيره عبثا . ورابعها : أنه - تعالى - أضاف الطّغيان إليهم بقوله :
فِي طُغْيانِهِمْ
، ولو كان من اللّه لما أضافه إليهم فظهر أنه إنما أضافه إليهم ليعلم أنه - تعالى - غير خالق لذلك ، ومصداقه أنه حين أسند المدّ إلى الشّياطين أطلق الغيّ ، ولم يقيده بالإضافة في قوله :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ
إذا ثبت هذا ، فلا بدّ من التأويل ، وهو من وجوه : أحدها : قال الكعبيّ وأبو مسلم الأصفهاني : إن اللّه - تعالى - لمّا منحهم ألطافه التي منحها للمؤمنين ، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الرّين فيها ، وكتزايد النور في قلوب المؤمنين ، فسمى ذلك النور مددا ، وأسنده إلى اللّه تعالى ؛ لأنه مسبّب عن فعله بهم . وثانيها : أن يحمل على منع القسر والإلجاء . وثالثها : أن يسند فعل الشيطان إلى اللّه - تعالى - لأنه بتمكينه ، وإقداره ، والتّخلية بينه وبين إغواء عباده .
هامش
( 1 ) وهي لغة يقال : طغيان بالضم والكسر كما قالوا : لقيان ، وغينان بالضم والكسر . انظر البحر المحيط : 1 / 203 .