تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
وتارة ترك المعصية كقوله تعالى :
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ
[ البقرة : 189 ] أي : فلا تعصوه . وتارة الإخلاص كقوله :
فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
[ الحج : 30 ] أي : من إخلاص القلوب . وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : كون الشّيء هدى ودليلا لا يختلف بحسب شخص دون شخص فلماذا جعل القرآن هدى للمتّقين فقط ؟ وأيضا فالمتقي مهتدي ، والمهتدي لا يهتدي ثانيا ، والقرآن لا يكون هدى للمتقين ؟ والجواب : أن القرآن كما أنه هدى للمتقين ، ودلالة لهم على وجود الصانع ، وعلى صدق رسوله ، فهو أيضا دلالة للكافرين ؛ إلا أن اللّه تبارك وتعالى ذكر المتقين مدحا ليبين أنهم هم الذين اهتدوا ، وانتفعوا به كما قال :
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها
[ النازعات : 45 ] وقال :
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ
[ يس : 11 ] . وقد كان عليه الصلاة والسلام منذرا لكلّ الناس ، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره . وأما من فسر الهدى بالدلالة الموصلة إلى المقصود ، فهذا السؤال زائل عنه ؛ لأن كون القرآن موصلا إلى المقصود ليس إلّا في حق المتقين . السّؤال الثاني : كيف وصف القرآن كله بأنه هدى ، وفيه مجمل ومتشابه كثير ، ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم عن المتشابه ، فيكون الهدى في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن ؟ ونقل عن علي بن أبي طالب أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولا إلى الخوارج : لا تحتجّ عليهم بالقرآن ، فإنه خصم ذو وجهين ، ولو كان هدى لما قال علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - ذلك فيه ، ولأنا نرى « 1 » جميع فرق الإسلام يحتجون به ، ونرى القرآن مملوءا من آيات بعضها صريح في الجبر ، وبعضها صريح في القدر ؛ فلا يمكن التوفيق بينهما إلّا بالتعسّف الشديد ، فكيف يكون هدى ؟ الجواب : أن ذلك المتشابه والمجمل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين « 2 » - وهو إما دلالة العقل ، أو دلالة السمع - صار كله هدى . السؤال الثالث : كل ما يتوقّف كون القرآن حجّة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه ، فإذا استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات اللّه - تعالى - وصفاته ، وفي معرفة
هامش
( 1 ) في أ : ولا نرى . ( 2 ) في أ : المتقين .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 277 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب