تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
عبادة غيره ، أما إذا قال : « إياك نعبد » كان قد ذكر عبادة نفسه ، وعبادة جميع المؤمنين شرقا وغربا . قوله تعالى :

[ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 6 ]

اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) اهد : صيغة أمر ، ومعناها : الدعاء ، فقيل معناه : أرشدنا . وقال عليّ ، وأبيّ بن كعب - رضي اللّه عنهما - ثبتنا ؛ كما يقال للقائم : قم حتى أعود إليك ، أي : دم على ما أنت عليه ، وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى التّثبيت ، وبمعنى طلب مزيد الهداية ؛ لأنّ الألطاف والهدايات من « 1 » اللّه - تعالى - لا تتناهى على مذهب أهل السّنة . قال ابن الخطيب - رحمه اللّه تعالى - : المراد من قوله تعالى
« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ »
هو : أن يكون الإنسان معرضا عما سوى اللّه - تعالى - مقبلا بكلية قلبه وفكره وذكره على اللّه تعالى . مثاله : أن يصير بحيث لو أمر بذبح ولده ، لأطاع ؛ كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ولو أمر بأن ينقاد ، لأن يذبحه غيره ، لأطاع ؛ كما فعله إسماعيل عليه الصلاة والسّلام ، ولو أمر بأن يلقي نفسه في البحر ، لأطاع ؛ كما فعله يونس عليه الصلاة والسلام ، ولو أمر بأن يتلمذ لمن هو أعلم منه بعد بلوغه في المنصب إلى أعلى الغايات ، لأطاع ؛ كما فعله موسى - عليه الصّلاة والسلام - مع الخضر [ عليه الصّلاة والسلام ] « 2 » ، ولو أمر بأن يصبر في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر على القتل ، والتفريق بنصفين ، لأطاع ؛ كما فعله يحيى بن زكريّا - عليهما الصّلاة والسلام - فالمراد بقوله تعالى
« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ »
، هو الاقتداء بأنبياء اللّه في الصّبر على الشدائد ، والثبات عند نزول البلاء ، ولا شكّ أن هذا مقام شديد ؛ لأن أكثر الخلق لا طاقة لهم به . واعلم أن صيغة « افعل » ترد لمعان كثيرة ذكرها الأصوليّون . وقال بعضهم : إن وردت صيغة « افعل » من الأعلى للأدنى ، قيل فيها : أمر ، وبالعكس دعاء ، ومن المساوي التماس ، وفاعله مستتر وجوبا ، لما مرّ ، أي : اهد أنت ، و « نا » مفعول أوّل ، وهو ضمير متصل يكون للمتكلّم مع غيره ، أو المعظّم نفسه ، ويستعمل في موضع : الرّفع ، والنصب ، والجر ، بلفظ واحد ؛ نحو : « قمنا » ، و « ضربنا زيد » ، و « مرّ بنا » ، ولا يشاركه في هذه الخصوصية غيره من الضّمائر . وقد زعم بعض النّاس أن الياء كذلك ؛ تقول : « أكرمني » ، و « مرّ بي » ، و « أنت تقومين يا هند » ، و « الياء » في المثال الأوّل منصوبة المحلّ ، وفي الثاني مجرورته ، وفي
هامش
( 1 ) في أ : إلى . ( 2 ) سقط في أ .