[ سورة مريم ( 19 ) : آية 39 ]
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 )
( وَأَنْذِرْهُمْ )
الواو للاستئناف ، أي خوفهم يا محمد
( يَوْمَ الْحَسْرَةِ )
أي بيوم الندامة على ما فات منهم وهو يوم القيامة ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يدخل أحد الجنة إلا أري مقعده من النار ولو أساء ليزداد شكرا ، ولا يدخل أحد إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة » « 1 »
( إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ )
بدل من
« يَوْمَ الْحَسْرَةِ »
، أي إذا فرغ من الحساب واستقر كل فريق في مقره من الجنة والنار وذبح الموت ، فيقال : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت
( وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ )
عما يفعل بهم في الآخرة أو عن الاهتمام لذلك المقام بالإيمان والعمل الصالح ، والجملة حال متعلق بقوله
« وَأَنْذِرْهُمْ » ،
وكذا قوله
( وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )
[ 39 ] أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين بالآخرة .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 40 ]
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 )
( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ )
أي نملك
( الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها )
بأن نهلك سكانها ، ذكر
« مَنْ »
تغليبا للعقلاء
( وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ )
[ 40 ] في الآخرة فنجازيهم .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 41 ]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 41 )
( وَاذْكُرْ )
لهم
( فِي الْكِتابِ )
أي القرآن
( إِبْراهِيمَ )
أي خبره
( إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً )
أي مبالغا في الصدق بجميع ما صدر من اللّه تعالى أو مصدقا بكل الأنبياء
( نَبِيًّا )
[ 41 ] في نفسه كقوله تعالى
« بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ »
« 2 » .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 42 ]
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ( 42 )
قوله
( إِذْ قالَ )
ظرف ل
« صِدِّيقاً »
، وقيل : بدل من
« إِبْراهِيمَ »
، والجملة بينهما اعتراض « 3 » ، أي واذكر وقت قوله
( لِأَبِيهِ )
آزر بن تارخ
( يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي )
أي لا ينفع
( عَنْكَ شَيْئاً )
[ 42 ] فيه توبيخ وتنبيه على ضلالته بعبادة جامد لا ينفعه شيء في الدنيا ولا في الآخرة ، قرئ يا أبت بفتح التاء وكسرها « 4 » ، والمعنى : أنه خاطب أباه أولا عند دعوته إلى الإسلام مع طلب علة منه في خطئه بالتنبيه عليه بقوله : يا أبت لم تعبد ما ليس بحي مميز سميع بصير مقتدر على الثواب والعقاب نافع ضار ، ومثله ليس أهلا للربوبية والعبودية فأعرض عن عبادة الصنم ووجه وجهك إلى الذي استحق الربوبية والعبودية ، إذ العبادة هي غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية الأنعام ، وهو الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب ، فإذا وجهت العبادة إلى غيره لم يكن إلا ظلما وغيا وكفرا .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 43 ]
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ( 43 )
ثم ثنى دعوته إلى الحق بالتلطف والترفق « 5 » به فقال
( يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ )
شيء ليس معك وهو
( ما لَمْ يَأْتِكَ )
من اللّه ، يعني علم الدلالة على الطريق السوي
( فَاتَّبِعْنِي )
ولا تستنكف عن التعلم مني انجك من طريق الضلالة
( أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا )
[ 43 ] أي مستقيما .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 44 ]
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 )
ثم ثلث دعوته إلى الحق بقوله
( يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ )
لأنك إذا عبدت الصنم فقد عبدت الشيطان
( إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا )
[ 44 ] أي استعصى على ربك الرحمن الذي جميع النعم من عنده ، وهو عدوك الذي لا يريد بك إلا كل خزي وهلاك ، وهو الذي أغوى آدم وذريته آباءك وأبناء جنسك ، فإنك إن حققت النظر عابد الشيطان .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل ، 2 / 541 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 621 .
( 2 ) الصافات ( 37 ) ، 37 .
( 3 ) وقد أخذ المفسر هذا الرأي عن البيضاوي ، 2 / 32 .
( 4 ) « يا أبت » : قرأ الشامي وأبو جعفر بفتح التاء ، والباقون بكسرها . البدور الزاهرة ، 199 .
( 5 ) والترفق ، وي : والرفق ، ح .