لأنهم قوم أرذلون « 1 » ، فأمره اللّه تعالى بالصبر معهم ، أي احبس نفسك
( مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ )
قوله
( بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ )
حال ، أي دائبين على الدعاء في كل وقت ، وقيل : « المراد الصلوات الخمس » « 2 » أو « صلاة الفجر والعصر » « 3 »
( يُرِيدُونَ )
بعبادتهم
( وَجْهَهُ )
تعالى لا شيئا آخر من أغراض الدنيا
( وَلا تَعْدُ )
أي لا تنصرف أو لا تجاوز
( عَيْناكَ عَنْهُمْ )
لرثاثة حالهم نظرا إلى زي الأغنياء ، قوله
( تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا )
حال من ضمير
« تَعْدُ »
( وَلا تُطِعْ )
أي في طردهم
( مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا )
أي عن القرآن « 4 » والتوحيد بالخذلان
( وَاتَّبَعَ هَواهُ )
في الكفر ونيل مشتهاه
( وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً )
[ 28 ] أي إسرافا ومجازاة للحد في التفريط ، لأنه نابذ للحق وراء ظهره ، فلما نزلت هذه الآية قال النبي عليه السّلام : « الحمد للّه الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم » « 5 » .
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 29 ]
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ( 29 )
ثم أمر اللّه النبي عليه السّلام أن يقول الحق الذي أرسلت به فقال
( وَقُلِ )
هو
( الْحَقُّ )
أي ترك طرد المؤمنين هو الحق
( مِنْ رَبِّكُمْ )
لا طردهم ، فإنه باطل
( فَمَنْ شاءَ )
الإيمان
( فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ )
الكفر
( فَلْيَكْفُرْ )
فلست بطاردهم من عندي لهواكم فاعملوا ما شئتم
( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ )
أي جاحدي الحق
( ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها )
وهي الحجب حول الفسطاط كالحائط ، قيل : هي دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار « 6 » ، وقيل : حائط من نار يحيط بهم في النار وهي أربعة جدر كثف ، كل جدار أربعون سنة « 7 » ، قوله
( وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا )
يشير إلى أنهم عند ذلك يعطشون فيستغيثون
( بِماءٍ كَالْمُهْلِ )
وهو صديد أهل النار ، والمهل ما أذيب من جواهر الأرض ، وقيل :
« دردي الزيت » « 8 » ، ثم وصف المهل بقوله
( يَشْوِي الْوُجُوهَ )
أي ينضجها من حره ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « هو كعكر الزيت فإذا قرب إلى الكافر ليشرب سقطت فروة وجهه » « 9 »
( بِئْسَ الشَّرابُ )
ذلك وهو المخصوص بالذم
( وَساءَتْ )
النار
( مُرْتَفَقاً )
[ 29 ] أي متكئا ومنزلا للاستراحة ، واتيانه هنا لمشاكلة قوله
« وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً »
وإلا فلا ارتفاق ولا اتكأ لأهل النار .
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 30 إلى 31 ]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ( 30 ) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ( 31 )
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا )
بالقرآن
( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ )
بما فيه ، قوله
( إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا )
[ 30 ] منهم خبر
« إِنَّ الَّذِينَ » ،
ويجوز أن يكون
« إِنَّا لا نُضِيعُ »
الآية اعتراضا ، والخبر
( أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ )
أي إقامة وخلود فيها
( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ )
الأربعة من الخمر واللبن والعسل والماء العذب
( يُحَلَّوْنَ فِيها )
أي يلبسون في الجنة
( مِنْ أَساوِرَ )
جمع أسورة وهي جمع سوار وهو ما يلبس في اليد من حلقة ،
« مِنْ »
فيه ابتداء ، و
« مِنْ »
في
( مِنْ ذَهَبٍ )
بيان ، قيل : « يحلى كل واحد منهم ثلاثة أسورة من ذهب ومن فضة ومن لؤلؤ ويواقيت » « 10 »
( وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ )
جمع سندسة ، وهي ما رق من الديباج
( وَإِسْتَبْرَقٍ )
جمع استبرقة وهي ما غلظ من الديباج المنسوج بالذهب ، وجمع بينهما جمعا بين النوعين ، قوله
( مُتَّكِئِينَ )
حال من ضمير
« يَلْبَسُونَ »
( فِيها عَلَى الْأَرائِكِ )
جمع أريكة وهي السرير في الحجال ، جمع حجلة وهي بيت يزين بالثياب
هامش
( 1 ) وهذا مأخوذ عن الكشاف ، 3 / 205 .
( 2 ) نقله المفسر عن السمرقندي ، 2 / 297 .
( 3 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 205 .
( 4 ) عن القرآن ، ح : القرآن ، وي .
( 5 ) انظر البغوي ، 3 / 563 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها .
( 6 ) نقله عن الكشاف ، 3 / 206 .
( 7 ) اختصره المؤلف من البغوي ، 3 / 564 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 206 .
( 8 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 565 .
( 9 ) رواه الترمذي ، صفة جهنم ، 4 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 565 ؛ والكشاف ، 3 / 206 .
( 10 ) عن سعيد بن جبير ، انظر البغوي ، 3 / 565 .