قيل : « حق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا ، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا » « 1 » .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 10 ]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 10 )
قوله
( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ )
تذكير لهم النعم ليشكروا ربها ولا يكفروا به ، أي أقدرناكم فيها بالتصرف وملكناكم « 2 »
( وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ )
أي ما تعيشون به من الرزق أو ما يتوصل به كالزروع والضروع ، والياء بعد الألف لا تهمز فيها ، لأنها أصلية من المعيشة ، أصلها معيشة ، مفعلة من العيش ، فأعلت تبعا لإعلال فعلها ، وهو يعيش ، ثم وبخهم بقوله
( قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ )
[ 10 ] أي لا تشركون رب هذه النعم « 3 » .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 11 ]
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 11 )
( وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ )
أي خلقنا آدم من تراب وإياكم من نطفته نسلا بعد نسل ، ثم صورنا آدم في الأرض وصورناكم في أرحام الأمهات أو يوم الميثاق من ظهره أو خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ، صورناه بعد ذلك ، وجمع تعظيما له « 4 » ، ويوضح هذا التأويل قوله
( ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ )
سجدة التحية وللّه سجدة العبادة ، ف
« ثُمَّ »
على هذا للتراخي في الزمان وعلى المعنى الأول بمعنى « 5 » الواو
( فَسَجَدُوا )
لآدم
( إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ )
[ 11 ] أي لم يسجد مع الملائكة لآدم كبرا وحسدا .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 12 إلى 13 ]
قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 )
( قالَ )
اللّه توبيخا بالاستفهام لإبليس وإظهارا لما أضمره في نفسه من الكبر والحسد
( ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ )
أي أي شيء منعك من السجود يا إبليس ، ف « لا » زائدة لتوكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه ، والغرض هنا إظهار وجوب السجود بصورة النفي
( إِذْ أَمَرْتُكَ )
أي وقت أمري لك بالسجود لآدم ، وفيه دليل على أن الأمر للوجوب وللفور
( قالَ )
إبليس منبها على فضله من أول الأمر ، وقد كان جوابه أن يقول منعني كذا
( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ )
أي أفضل منه مرتبة ، ثم بين وجه الفضل على زعمه فقال
( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ )
[ 12 ] فأخطأ اللعين لمخالفة الأمر والاعتقاد بأن السجود لآدم حسب والاشتغال بالقياس في موضع النص ، ولم يعلم بأن القياس في موضع النص باطل ، ولأنه فضل النار على الطين ولم يعلم بأن الفضل لما فضله اللّه ، قيل : إن الخطأ إذا احتج له صار عمد « 6 » والذي يدل على فساد قياسه أنه لم يجب بل طرد بالإهانة بأن
( قالَ )
تعالى له
( فَاهْبِطْ )
أي انزل
( مِنْها )
أي من الجنة لكونها للمطيعين
( فَما يَكُونُ )
أي ما ينبغي أو ما يصح
( لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها )
أي تتعظم في الجنة على بني آدم
( فَاخْرُجْ )
أي أبعد منها
( إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ )
[ 13 ] أي الذليلين لتكبرك وإبائك من السجود ، يقال صغر فلان صغرا إذا ذل .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 14 ]
قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 )
( قالَ )
إبليس طالبا لاستيفاء حظه من الدنيا آيسا من نعيم الآخرة
( أَنْظِرْنِي )
أي أمهلني لا تمتني
( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )
[ 14 ] أي إلى أن يخرج الناس من قبورهم وهو النفخة الأخيرة ، قال ابن عباس رضي اللّه : « أراد اللعين أن لا يذوق الموت » « 7 » ، إذ لا موت بعدها فأبى اللّه تعالى ذلك عليه .
هامش
( 1 ) عن الحسن ، انظر الكشاف ، 2 / 99 - 100 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 453 .
( 2 ) وملكناكم ، ب : مكناكم ، س م ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 532 ؛ والبغوي ، 2 / 453 ؛ والكشاف ، 2 / 100 .
( 3 ) النعم ، ب م : النعمة ، س .
( 4 ) وجمع تعظيما له ، ب : وجمع تعظيما ، س ، - م .
( 5 ) بمعنى ، ب س : ثم المعنى ، م .
( 6 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها .
( 7 ) انظر السمرقندي ، 1 / 533 .