همي به في زعمه بين الناس ، فحقه أن تحبسه مدة « 1 » ، فأجمعوا على ذلك
( مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ )
أي العلامات الدالة على براءة يوسف من شق بالقميص من خلفه ، وكلام الشاهد الصغير أو قضاء ابن عمها بالحق وقطع الأيدي
( لَيَسْجُنُنَّهُ )
أي ليحبسن العزيز وأهله يوسف
( حَتَّى حِينٍ )
[ 35 ] أي إلى مدة ينقطع كلام الناس في ذلك ، وقيل : « خمس سنين » « 2 » ، وقيل : « سبع سنين » « 3 » ، وغرضها جعلها ذليلا بالسجن كما قالت من قبل لما آيست من طاعته لها ، روي : أن يوسف انما سجن لطلبه السجن بقوله
« رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ »
« 4 » ، وإن سأل العافية عافاه اللّه والأولى بالمرء أن يسأل اللّه العافية عافاك اللّه وإيانا في الدارين ، وقيل : إن اللّه قد حبسه تطهيرا ليوسف من همه بالمرأة « 5 » .
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 36 ]
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 36 )
( وَدَخَلَ مَعَهُ )
نصب على الحال « 6 » ، أي مصابحين ليوسف
( السِّجْنَ فَتَيانِ )
وهما عبدان للملك ، أحدهما ساقيه والآخر صاحب طعامه ، وكان المصريون أعطوهما رشوة ليسما الملك في طعامه وشرابه ، فأبى الساقي وقيل الخباز فسم الطعام ، فلما أحضروا الطعام قال الساقي للملك : لا تأكل من هذا الطعام ، فإنه مسموم ، وقال الخباز : لا تشرب ، فان الشراب مسموم ، فقال الملك للساقي : اشرب فشرب فلم يضره ، وقال : للخباز كل من طعامك فأبي ، فأمر تجربة بأن يأكله دابة فأكلت فهلكت ، فأمر الملك بحبسهما غضبا عليهما ، وكان يوسف عند دخوله السجن قال للناس : أنا أعبر الأحلام لنشر علمه
( قالَ أَحَدُهُما )
وهو الساقي ليوسف
( إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً )
أي عنبا بلغة عمان بالتخفيف ، وقيل : سمي « خمرا » باسم ما يؤول إليه « 7 » ، وذلك أنه قال إني رأيت كأني في بستان فإذا بكرمة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها ، وكأن كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه
( وَقالَ الْآخَرُ )
وهو الخباز
( إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً )
في ثلاث سلال مع ألوان الأطعمة
( تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ )
أي من الخبز الذي فوق رأسي
( نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ )
أي أخبرنا عن تعبير ما قصصنا عليك وتفسيره وعاقبة أمر هذا « 8 » الرؤيا
( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ )
[ 36 ] أي العالمين بتعبير الرؤيا أو من الصادقين في القول أو من العاملين بالإحسان ، وقيل : من إحسانه أنه إذا مرض إنسان في السجن عاده وقام عليه ، وإذا ضاق وسع له ، وإذا احتاج جمع له شيئا ، وكان مع هذا يجتهد في العبادة ويقوم الليل كله للصلاة ، ويقول لأهل السجن أبشروا واصبروا تؤجروا ، فيقولون بارك اللّه فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك ، لقد بورك لنا في جوارك ، فمن أين أنت يا فتى ؟ قال : أنا يوسف بن صفي اللّه يعقوب بن ذبيح اللّه إسحاق بن إبراهيم خليل اللّه ، فقال له عامل السجن : يا فتى واللّه لو استطعت لخليت سبيلك ولكني أسحسن جوارك تمكن في أي بيوت السجن شئت ، فلما قصا عليه الرؤيا كره أن يعبر لهما ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على أحدهما ، فأعرض عن سؤالهما وشرع في إظهار المعجزة والدعوة إلى التوحيد « 9 » .
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 37 ]
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 )
( قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ )
من منازل لكما
( تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما )
أي أخبرتكما
( بِتَأْوِيلِهِ )
أي ببيان ماهية الطعام
هامش
( 1 ) اختصره المفسر من السمرقندي ، 2 / 161 ؛ والبغوي ، 3 / 281 .
( 2 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 2 / 161 ؛ والبغوي ، 3 / 281 .
( 3 ) عن عكرمة ، انظر البغوي ، 3 / 281 .
( 4 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 2 / 160 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 279 - 280 .
( 5 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 281 .
( 6 ) نصب على الحال ، ب س : - م .
( 7 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 76 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 161 .
( 8 ) هذا ، س م : - ب .
( 9 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 3 / 282 ، 283 .